أولا:
صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الشرب قائما.
عَنْ أَنَسٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا" رواه مسلم (2024).
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا" رواه مسلم (2025).
وقد ورد تعليل هذا النهي في حديث أبي هريرة؛ رواه الإمام أحمد في "المسند" (13/381)؛ عن شُعْبَة، عَنْ أَبِي زِيَادٍ الطَّحَّانِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَشْرَبُ قَائِمًا، فَقَالَ لَهُ: (قِهْ!)
قَالَ: لِمَهْ؟
قَالَ: (أَيَسُرُّكَ أَنْ يَشْرَبَ مَعَكَ الْهِرُّ؟)
قَالَ: لَا.
قَالَ: (فَإِنَّهُ قَدْ شَرِبَ مَعَكَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، الشَّيْطَانُ).
وهذا سند صحيح، وأَبو زِيَادٍ الطَّحَّانِ، قد وثقه يحيى ابن معين، وقال عنه أبو حاتم: صالح الحديث.
قال ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى:
" أبو زياد الطحان كوفى سمع أبا هريرة روى عنه شعبة سمعت أبي يقول ذلك.
... عن يحيى بن معين قال: أبو زياد الطحان ثقة.
سألت أبي عن أبي زياد الطحان فقال: شيخ صالح الحديث " انتهى من "الجرح والتعديل" (9 / 373).
وقد صححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1/337) .
وفي مقابل هذا قد صح أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم قد شرب في بعض الأحيان واقفا.
عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ، قَالَ: " أُتِيَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى بَابِ الرَّحَبَةِ بماء فَشَرِبَ قَائِمًا، فَقَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَشْرَبَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ" رواه البخاري (5615).
و عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "شَرِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا مِنْ زَمْزَمَ" رواه البخاري (5617)، ومسلم (2027).
ثانيا:
اختلف العلماء في طريقة الجمع والتوفيق بين هذه الأحاديث.
فأمّا جماهير أهل العلم، فلهم في ذلك عدة طرق، أحسنها:
أن شرب النبي صلى الله عليه وسلم قائما يدل على جواز ذلك، وأما النهي فمحمول على كراهة التنزيه.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
" وقال القرطبي في "المفهم": لم يصر أحد إلى أن النهي فيه للتحريم - وإن كان جاريا على أصول الظاهرية - والقول به.
وتُعُقِّب: بأن ابن حزم منهم جزم بالتحريم.
وتمسك من لم يقل بالتحريم: بحديث علي المذكور" انتهى من "فتح الباري" (10/ 83-84).
وقال أيضا :
"وَسَلَكَ آخَرُونَ فِي الْجَمْع: حَمْل أَحَادِيث النَّهْي عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه، وَأَحَادِيث الْجَوَاز عَلَى بَيَانه. وَهِيَ طَرِيقَة الْخَطَّابِيّ وَابْن بَطَّال، فِي آخَرِينَ.
وَهَذَا أَحْسَن الْمَسَالِك وَأَسْلَمهَا وَأَبْعَدهَا مِنْ الِاعْتِرَاض. وَقَدْ أَشَارَ الْأَثْرَم إِلَى ذَلِكَ أَخِيرًا فَقَالَ : إِنْ ثَبَتَتْ الْكَرَاهَة حُمِلَتْ عَلَى الْإِرْشَاد وَالتَّأْدِيب لَا عَلَى التَّحْرِيم . وَبِذَلِكَ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ، وَأَيَّدَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا ثُمَّ حَرَّمَهُ، أَوْ كَانَ حَرَامًا ثُمَّ جَوَّزَهُ، لَبَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بَيَانًا وَاضِحًا. فَلَمَّا تَعَارَضَتْ الْأَخْبَار بِذَلِكَ، جَمَعْنَا بَيْنهَا بِهَذَا" انتهى.
وقال النووي رحمه الله تعالى:
" وليس في هذه الأحاديث بحمد الله تعالى إشكال، ولا فيها ضعف؛ بل كلها صحيحة، والصواب فيها: أن النهي فيها محمول على كراهة التنزيه، وأما شربه صلى الله عليه وسلم قائما فبيان للجواز، فلا إشكال ولاتعارض، وهذا الذي ذكرناه يتعين المصير إليه ...
فإن قيل: كيف يكون الشرب قائما مكروها، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم؟
فالجواب: أن فعله صلى الله عليه وسلم إذا كان بيانا للجواز، لايكون مكروها، بل البيان واجب عليه صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون مكروها. وقد ثبت عنه أنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، وطاف على بعير، مع أن الإجماع على أن الوضوء ثلاثا ثلاثا، والطواف ماشيا أكمل، ونظائر هذا غير منحصرة، فكان صلى الله عليه وسلم ينبه على جواز الشيء مرة أو مرات، ويواظب على الأفضل منه، وهكذا كان أكثر وضوئه صلى الله عليه وسلم ثلاثا ثلاثا، وأكثر طوافه ماشيا، وأكثر شربه جالسا، وهذا واضح لايتشكك فيه من له أدنى نسبة إلى علم. والله أعلم " انتهى من "شرح صحيح مسلم" (13/195).
وأما حديث شُعْبَة، عَنْ أَبِي زِيَادٍ الطَّحَّانِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَشْرَبُ قَائِمًا، فَقَالَ لَهُ: ...
(فَإِنَّهُ قَدْ شَرِبَ مَعَكَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، الشَّيْطَانُ).
فالذي يظهر أنهم رأوا أن هذه الحال خلاف الأدب، وهذا يتطلب التنزه عنها ولا تستوجب التحريم، ويلاحظ رأيهم هذا في عدة مسائل غير هذه، حيث لم يوجبوا التسمية في الأكل والشرب ودخول البيت.
فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ، وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ، فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ ) رواه مسلم (2018).
جاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" (8 / 92):
" ذهب الفقهاء إلى أن التسمية عند البدء في الأكل من السنن " انتهى.
وقد ذهب بعض أهل العلم، إلى تحريم الشرب قائما، ورأوا أن حديث أَبِي زِيَادٍ الطَّحَّانِ، عن أَبَي هُرَيْرَةَ السابق مما يؤكد التحريم.
ورأوا أن شرب النبي صلى الله عليه وسلم قائما، لعله كان لعذر لم يستطع معه الشرب جالسا.
قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:
"وظاهر النهي في هذه الأحاديث يفيد تحريم الشرب قائما بلا عذر، وقد جاءت أحاديث كثيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب قائما، فاختلف العلماء في التوفيق بينها، والجمهور على أن النهي للتنزيه، والأمر بالاستقاء للاستحباب.
وخالفهم ابن حزم فذهب إلى التحريم، ولعل هذا هو الأقرب للصواب، فإن القول بالتنزيه لا يساعد عليه لفظ " زجر "، ولا الأمر بالاستقاء، لأنه – أعني الاستقاء - فيه مشقة شديدة على الإنسان، وما أعلم أن في الشريعة مثل هذا التكليف، كجزاء لمن تساهل بأمر مستحب! وكذلك قوله " قد شرب معك الشيطان " فيه تنفير شديد عن الشرب قائما، وما إخال ذلك يقال في ترك مستحب. وأحاديث الشرب قائما يمكن أن تحمل على العذر كضيق المكان، أو كون القربة معلقة وفي بعض الأحاديث الإشارة إلى ذلك. والله أعلم" انتهى من "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1/340).
وقال ابن القيّم رحمه الله تعالى:
" وكان -النبي صلى الله عليه وسلم- أكثر شربه قاعدا، بل زجر عن الشرب قائما، وشرب مرة قائما.
فقيل: هذا نسخ لنهيه، وقيل: بل فعله لبيان جواز الأمرين، والذي يظهر فيه - والله أعلم - أنها واقعة عين شرب فيها قائما لعذر، وسياق القصة يدل عليه، فإنه أتى زمزم وهم يستقون منها فأخذ الدلو وشرب قائما.
والصحيح في هذه المسألة: النهي عن الشرب قائما، وجوازه لعذر يمنع من القعود، وبهذا تجمع أحاديث الباب، والله أعلم " انتهى من "زاد المعاد" (1 / 143 - 144).
والراجح هو قول الجمهور، أن الشرب قائما جائز وأن النهي للكراهة.
وقد سبق بيان ذلك في السؤال رقم: (21147).
والله أعلم.
الخلاصة
الاحالات