هل البكاء من خشية الله مرة واحدة ينجي من النار مطلقا؟

السؤال 647887

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ الله)؛ فما مدى صحة الاستدلال بهذا الحديث على أن البكاء من خشية الله تعالى ولو لمرة واحدة في العمر كافٍ للنجاة من عذاب النار مطلقاً؟

ملخص الجواب

يرجى لمن بكى من خشية الله تعالى ولو مرة واحدة صادقا مخلصا أن يدرك فضل البكاء من خشية الله وما فيه من النجاة من النار.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا:

وأوروى الترمذي (1639): عَنْ شُعَيْب بْن رُزَيْقٍ أَبي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ).

ثم قال الترمذي: " وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ شُعَيْبِ بْنِ رُزَيْقٍ ".

ويشهد له ما رواه الإمام أحمد في "المسند" (16 / 330)، والنسائي (3108)، والترمذي (1633)، (2311)، وغيرهم: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ).

وقد اختلف في رفعه ووقفه، وعلى القول بوقفه فله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يقال بالرأي والاجتهاد.

وقال الترمذي: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ".

ومن فضائل البكاء من خشية الله : ما ثبت في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ) رواه البخاري (660) ومسلم (1031).

قال ابن رجب رحمه الله تعالى:

"قد تكاثرت النصوص في أن البكاء من خشية الله يقتضي النجاة منها، والبكاء خوفَ نارِ جهنم: هو البكاء من خشية الله، لأنه بكاء من خشية عقاب الله وسخطه، والبعد عنه وعن رحمته وجواره ودار كرامته" انتهى. "التخويف من النار" (ص55).

وهذا الحديث مطلق غير محدد بعدد، ولم يأت بصيغة تشترط تجدد البكاء واستمراره، وفضل الله واسع.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

"والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم، ويقيّد ما قيّده" انتهى. "مجموع الفتاوى" (24 / 13).

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (46911)، ورقم (220547)

وينظر أيضا: أعمال أخرى لا تمس النار أصحابها: في جواب السؤال رقم (129240).

ثانيا:

ينبغي التنبّه إلى أن الأعمال الصالحة قد تبطل ويذهب فضلها بالذنوب اللاحقة؛ فمن بكى من خشية الله تعالى مرّة، ثم بعدها انهمك في المعاصي انهماك من لا يخشى عذابا، فمثل هذا يخشى عليه أن يفوته فضل البكاء ويبطل في حقه.

قال الله تعالى:

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ محمد (33).

قال ابن رجب رحمه الله تعالى:

"وهذا يدل على أن بعض السيئات تحبط بعض الحسنات، ثم تعود بالتوبة منها.

وخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" من رواية أبي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: (كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الإخلاص ذَنْبٌ، كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلٌ صالح، فأنزل الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم، فخافوا الكبائر بعد، أن تحبط الأعمال).

وبإسناده، عن الحسن في قوله: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم قال: بالمعاصي.

وعن معمر، عن الزهري في قوله تعالى: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم قال الكبائر.

وبإسناده، عن قتادة في هذه الآية قال: من استطاع منكم أن لا يبطل عملا صالحا بعمل سيء فليفعل ولا قوة إلا بالله؛ فإن الخير ينسخ الشر، وإن الشر ينسخ الخير، وإن ملاك الأعمال: خواتيمه" انتهى. "فتح الباري" (1 / 199).

فالسيئات قد تبطل بعض ما سبقها من حسنات، وهذا الذي يقول به جمع من السلف، وقد بوّب الإمام البخاري في صحيحه بابا قال فيه: " بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وهو لا يَشْعُرُ ..." انتهى.

قال ابن رجب رحمه الله تعالى:

"وتبويب البخاري لهذا الباب يناسب أن يذكر فيه حبوط الأعمال الصالحة ببعض الذنوب، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ

ومما يدل على هذا – أيضا – قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى الآية، وقال: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَاب الآية. وفي صحيح البخاري: (أن عمر سأل الناس عنها فقَالُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ. فقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ. قالَ عُمَرُ: لِأَيّ عَمَلٍ؟ قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِعَمَلٍ. قالَ عُمَرُ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ يبعث اللَّهُ إليه الشَّيْطَانَ، فيعمل بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أَعْمَالَهُ)…

وهذا يدل على أن بعض السيئات تحبط بعض الحسنات، ثم تعود بالتوبة منها...

والآثار عن السلف في حبوط الأعمال بالكبيرة كثيرة جدا يطول استقصاؤها...

وأما من زعم أن القول بإحباط الحسنات بالسيئات قول الخوارج والمعتزلة خاصة، فقد أبطل فيما قال، ولم يقف على أقوال السلف الصالح في ذلك.

نعم؛ المعتزلة والخوارج أبطلوا بالكبيرة الإيمان وخلدوا بها في النار. وهذا هو القول الباطل الذي تفردوا به في ذلك" انتهى. "فتح الباري" (1 / 197 – 200).

وسُئل الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:

"بالنسبة للحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما أذكر النَّصَّ، ولكن معناه أن الله - سبحانه وتعالى - حرَّم النار على عين بكت من خشية الله، فالبكاء هنا هل له حدٌّ معيَّن؟ يعني - مثلًا - كل يوم إذا قرأ القرآن يبكي، أو كل ما يقرأ القرآن، أو كل فترة؛ يعني هل محدود هذا البكاء؟

الشيخ: لا، ليس محدودا، والمقصود أن الذي يبكي ليس رياء ولا سمعة، وإنما من خشية الله ولو مرَّة واحدة؛ فهو بهذه الخشية يكون مستحقًّا ليكونَ من أهل الجنة.

ولكن ذلك لا يعني أنه لو نقض هذه الخشية لارتكابه لبعض المعاصي بعدها أنه يكون في مَنْجى من المؤاخذة منها، فإذا أتبعها بخشية أخرى فهكذا دواليك" انتهى .

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (544171)، ورقم (260496).

والخلاصة:

يرجى لمن بكى من خشية الله تعالى ولو مرة واحدة صادقا مخلصا أن يدرك فضل البكاء من خشية الله وما فيه من النجاة من النار.

لكن يخشى على من انهمك في المعاصي بعد هذا البكاء أن يبطل عمله هذا ويفوته هذا الفضل، لرجوعه عن الخشية والخوف.

والله أعلم.

المراجع

شروح الأحاديث

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android