الاختلاف الحاصل بين الروايات الصحيحة في فتنة القبر ليس هو من باب اختلاف التضاد الذي يستشكل، وإنما اكتفى بعض الرواة بذكر بعض ما ورد من تفاصيل هذه الفتنة وذكر البعض الآخر سائر التفاصيل، وهذه سبيل مشهورة في رواية الأخبار.
ما توجيه اختلاف أحاديث أسئلة الملكين في القبر ؟
السؤال 598593
أولا: في الأحاديث الصحيحة بعد السؤال يختلف الوضع: :فإما أن يرى المؤمن مقعده في الجنة، أو ينادي منادٍ في السماء، أو يفسح له في قبره سبعون ذراعاً، وينام كنومة العروس وهكذا).
فهل هذا يعتمد على حسب إيمان الشخص أم ماذا؟
ثانيا: في بعض الأحاديث السؤال عن الشهادة فقط، ففي حديث صحيح: (أتاه ملكان، فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعدا من الجنة. إلى آخره).
وفي حديث صحيح أخرجه الترمذي وابن حبان، سؤال جديد عن الله:( ثم يقال له: فيم كنت؟ فيقول: كنت في الإسلام، فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقال له: هل رأيت الله فيقول ما ينبغي لأحد أن يري الله ).
وهناك ٤ أسئلة في حديث البراء ابن عازب فكيف يجمع بينهم هل يُسأل الميت في قبره ثلاثة أسئلة، أو أقل، أو أكثر، أو بدون تحديد؟ ولما القول المشهور ٣ رغم وجود هذه الأحاديث،
ثالثا:
هل من يسأل ملكان أم واحد، فورد في حديث أنس في البخاري أنهم اثنان، وفي حديث عن أبي سعيد الخُدري ورد مَلَك في يده مِطرق؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
ثبت بالأحاديث الكثيرة فتنة القبر بسؤال الملكين للعبد.
وقد جاءت الروايات بصيغ عدة لهذا السؤال.
ففي بعضها التنصيص على السؤال عن النبي صلى الله عليه وسلم فقط.
فروى البخاري (1374)، ومسلم (2870): عن قَتادَةَ: عن أَنَسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: (إِنَّ العَبْدَ إذا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحابُهُ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهِمْ، أَتاهُ مَلَكانِ، فَيُقْعِدانِهِ فَيَقُولانِ: ما كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذا الرَّجُلِ؟ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَّا المُؤمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. فَيُقالُ لَهُ: انْظُرْ إلى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ. فَيَراهُما جَمِيعًا).
وفي بعضها السؤال عن الله تعالى وعن النبي صلى الله عليه وسلم.
كما عند البخاري (4699)، ومسلم (2871) واللفظ له: عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ. فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم. فَذَلِكَ قَوْلُهُ عز وجل: يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ).
وفي بعضها السؤال عن الله تعالى وعن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الإسلام، كما في رواية لحديث البراء عند الترمذي (3120): عَنِ الْبَرَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ قَالَ: (فِي الْقَبْرِ إِذَا قِيلَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟).
وقال الترمذي: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ" انتهى.
وفي بعضها السؤال عن رؤية الله تعالى.
كما عند ابن ماجه (4268): عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ الْمَيِّتَ يَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ، فَيُجْلَسُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ وَلَا مَشْعُوفٍ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ فِي الْإِسْلَامِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَصَدَّقْنَاهُ. فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ اللَّهَ؟ فَيَقُولُ: مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَرَى اللَّهَ. فَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاكَ اللَّهُ، ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فرجة قِبَلَ الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ، وَيُقَالُ لَهُ: عَلَى الْيَقِينِ كُنْتَ، وَعَلَيْهِ مُتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ...).
وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (3 / 238).
وهذه الروايات لا تعارض بينها؛ فالظاهر أن الميت يُسْأل عن كل هذا؛ لكن بعض الرواة اقتصر على ذكر بعضها دون بعض.
قال السيوطي رحمه الله تعالى:
"قال [القرطبي] اختلفت الأحاديث في كيفيّة السّؤال والجواب، وذلك بحسب الأشخاص أيضا؛ فمنهم من يسأل عن بعض اعتقاداته، ومنهم من يسأل عن كلها.
قال [القرطبي]: ويحتمل أن يكون الاقتصار على البعض من بعض الرواة، وأتى به غيره تاما.
قلت: هذا الثّاني هو الصّواب؛ لاتفاق أكثر الأحاديث عليه، نعم يؤخذ منها، وخصوصا من رواية أبي داود عَن أنس: (فَمَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا)، ولفظ ابن مردويه: (فَمَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ غَيْرِهَا): أنه لا يسأل عن شيء من التكليفات، غير الاعتقاد خاصّة ..." انتهى. "شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور" (ص 142).
لكن هذه الرواية التي فيها السؤال عن المعبود وعن الرسول صلى الله عليه وسلم فقط، وأنه لا يُسأل عن غير ذلك= هذه الرواية رواها الإمام أحمد في "المسند" (21 / 119)، وأبو داود (4751)، وغيرهما من طريق: عَبْد الْوَهَّابِ بْن عَطَاءٍ الْخَفَّاف أَبي نَصْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْن أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ نَخْلًا لِبَنِي النَّجَّارِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَفَزِعَ، فَقَالَ: (مَنْ أَصْحَابُ هَذِهِ الْقُبُورِ؟) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَاسٌ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ)، قَالُوا: وَمِمَّ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ أَتَاهُ مَلَكٌ فَيَقُولُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَعْبُدُ؟ فَإِنِ اللَّهُ هَدَاهُ قَالَ: كُنْتُ أَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَمَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ غَيْرِهَا ...).
= وهذه اللفظة (فَمَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ، غَيْرِهَا) تفرّد بها عبد الوهّاب بن عطاء عن سعيد.
وعبد الوهّاب قد تُكلِّم في ضبطه، وضعّفه بعضهم.
قال الذهبي رحمه الله تعالى:
"عبد الوهاب بن عطاء أبو نصر العجلي الخفاف البصري: ... قال أحمد: عالم بسعيد. وقال البخاري، والنسائي: ليس بالقوي. وقال ابن معين: ثقة" انتهى. "الكاشف" (1 / 675).
وقال أيضا:
"عبد الوهاب بن عطاء الخفاف: ضعفه أحمد، وقوّاه غيره" انتهى. "المغني في الضعفاء" (2 / 413).
وقد روى حديث أنس هذا غيره من الثقات عن سعيد، ولم يذكروا هذه اللفظة، فهو عند البخاري (1338) و(1374) من حديث: عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سَعِيد، عن قَتادَةَ، عن أَنَسِ بنِ مالِكٍ. بدون عبارة: (فَمَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ، غَيْرِهَا).
ورواه البخاري أيضا (1338)، والنسائي (2051): من حديث يَزِيد بْن زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. بدون هذه اللفظة.
وجاءت هذه اللفظة بإسناد آخر أشدّ ضعفا.
رواه الآجريّ في "الشريعة" (3 / 1285 - 1286)، قال: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خُلَيْدُ بْنُ دَعْلَجٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَخْلًا لِبَنِي النَّجَّارِ، فَخَرَجَ مَذْعُورًا، فَقَالَ: (لِمَنْ هَذِهِ الْقُبُورُ؟) فَقَالُوا: لِقَوْمٍ مُشْرِكِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (سَلُوا رَبَّكُمْ عز وجل أَنْ يُجِيرَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَسَأَلْتُ اللَّهَ عز وجل أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا دَخَلَ حُفْرَتَهُ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، دَخَلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ شَدِيدُ الِانْتِهَارِ، فَيُجْلِسُهُ فِي قَبْرِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَعْبُدُ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: كُنْتُ أَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَيَقُولُ: مَا تَقُولُ فِي مُحَمَّدٍ؟ فَيَقُولُ: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَمَا يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ غَيْرِهِمَا...).
ففي إسناده خليد بن دعلج، وقد ضُعِّف.
قال الذهبي رحمه الله تعالى:
"خليد بن دعلج ...:
ضعفه أحمد، ويحيى.
وقال النسائي: ليس بثقة.
وقال أبو حاتم: صالح ليس بالمتين.
وقال ابن عدي: عامة حديثه تابعه عليه غيره.
وقال ابن حبان: كان كثير الخطأ...
وقد عده الدارقطني في المتروكين، ولم يخرج له أحد من الستة" انتهى. "ميزان الاعتدال" (1 / 611).
ثانيا:
وأما بخصوص عدد الملائكة، فهما اثنان كما ورد في أصح أخبار فتنة القبر، كما في الحديث المتفق عليه السابق ذكره.
حيث روى البخاري (1374)، ومسلم (2870): عن قَتادَةَ: عن أَنَسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: (إِنَّ العَبْدَ إذا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحابُهُ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهِمْ، أَتاهُ مَلَكانِ، فَيُقْعِدانِهِ فَيَقُولانِ: ما كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذا الرَّجُلِ؟ ...).
وأما ماورد في بعضها بصيغة المفرد: (ملك).
كما عند الإمام أحمد في "المسند" (17 / 32)، قال: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ رَاشِدٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم جِنَازَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَإِذَا الْإِنْسَانُ دُفِنَ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، جَاءَهُ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِطْرَاقٌ، فَأَقْعَدَهُ، قَالَ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: صَدَقْتَ ...).
وقال محققو المسند:
"حديث صحيح، وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال الصحيح غير عباد بن راشد" انتهى.
وسبق أيضا في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في "المسند" (21 / 119)، وأبو داود (4751)، وغيرهما من طريق: عَبْد الْوَهَّابِ بْن عَطَاءٍ الْخَفَّاف أَبي نَصْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْن أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ نَخْلًا لِبَنِي النَّجَّارِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَفَزِعَ، فَقَالَ: (مَنْ أَصْحَابُ هَذِهِ الْقُبُورِ؟) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَاسٌ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ)، قَالُوا: وَمِمَّ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ أَتَاهُ مَلَكٌ فَيَقُولُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَعْبُدُ؟ ...).
= فهذه الأخبار مع ما فيها من كلام في بعض رواتها؛ إلا أنه لا تعارض بين "ملكان" و "ملك".
فهما ملكان لكن المتكلم منهما مع الميت واحد، كما هي عادة الرسل إذا كانوا جمعا، وربما نسب القول إلى المتكلم وحده وربما إليهم جميعا لإنهم مرسلون به ومقرّون بكلام المتكلم منهم.
وهذا أمر سائغ في كلام الناس، وبه جاء الوحي، كما في قصة موسى عليه السلام، ففي بعض الآيات جاء النص على ارسال موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون.
كما في قوله تعالى:
اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ، اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ، فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى طه (42 - 44).
وفي بعضها النص على موسى وحده، عليه السلام.
كما في قول الله تعالى:
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ، إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ، اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ، فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى النازعات (15 - 18).
قال السيوطي رحمه الله تعالى:
"قال القرطبي: جاء في رواية سؤال ملكين، وفي أخرى سؤال ملك واحد، ولا تعارض، بل ذلك بالنّسبة إلى الأشخاص؛ فربّ شخص يأتيه اثنان معا، فيسألانه معا عند انصراف النّاس، ليكون أهول في حقّه، وأشدّ بحسب ما اقترف من الآثام، وآخر يأتيه قبل انصراف النّاس تخفيفا عليه، لحصول أنسه بهم، وآخر يأتيه ملك واحد، فيكون أخفّ عليه، وأقلّ في المراجعة لما قدّمه من العمل الصالح.
قال: ويحتمل أن يأتي الاثنان، ويكون السّائل أحدهما، وإن اشتركا في الإتيان، فتحمل رواية الواحد على هذا.
قلت: هذا الثّاني هو الصّواب؛ فإن ذكر الملكين هو الموجود في غالب الأحاديث" انتهى. "شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور" (ص 142).
ثالثا:
ومن الاختلاف في هذا الموضع أيضا: الخلاف في جزاء المؤمن بعد نجاحه في الامتحان؛ فقد تنوع الجزاء في الروايات.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"قوله: (قالَ قَتادَةُ: وَذُكِرَ لَنا أَنَّهُ يُفْسَحُ فِي قَبْرِهِ) زاد مسلم من طريق شيبان، عن قتادة: (سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَيُمْلَأُ عَلَيْهِ خَضِرًا إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ). ولم أقف على هذه الزيادة موصولة من حديث قتادة. وفي حديث أبي سعيد من وجه آخر عند أحمد: (و يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ). وللترمذي، وابن حبان من حديث أبي هريرة: (فيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا). زاد ابن حبان: (فِي سَبْعِينَ ذِرَاعًا). وله من وجه آخر عن أبي هريرة: (وَيُرْحَبُ لَهُ قَبْرُهُ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَيُنَوَّرُ لَهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ). وفي حديث البراء الطويل: (فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ. قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ). زاد ابن حبان من وجه آخر عن أبي هريرة: (فَيَزْدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا، فيُعَادُ الْجَسَدُ إلى ما بَدَأَ مِنْهُ، وتُجْعَلُ روحه فِي نسم طائر يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ)" انتهى. "فتح الباري" (3 / 238).
وهذا التنوع في النعيم والجزاء: لا تضاد فيه، ولا إشكال، فلا مانع أن تجمع له كل هذه الأنواع من النعيم، وفضل الله واسع، وإنما يكون الإشكال لو كانت هذه الأنواع متضادة بحيث لا يثبت أحدها إلا بإبطال الآخر.
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:
"ولزم أهلَ العلم أنْ يُمْضُوا الخبرين على وجوههما، ما وجدوا لإمضائهما وجها، ولا يَعُدُّونهما مختلفين وهما يحتملان أن يُمْضيَا، وذلك إذا أمكن فيهما أن يُمْضَيَا مَعًا، أو وُجِد السبيلُ إلى إمضائهما، ولم يكن منهما واحد بأوجب من الآخر.
ولا يُنْسَب الحديثان إلى الاختلاف ما كان لهما وجهاً [كذا بالنصب] يُمضَيَان معاً.
إنما المختلِف: ما لم يُمْضَى إلا بسقوط غيره، مثل أن يكون الحديثان في الشيء الواحد؛ هذا يُحِلُّه، وهذا يحرمه" انتهى. "الرسالة" (ص 341 - 342).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟