المراد أحاديث الوعد بدخول الجنة لكل موحد من يموت تائبا نادما فيكون مستحقا لدخول الجنة ابتداء، أو أن مآله إلى الجنة قطعا، ولكن هذا لا يمنع أن يعذب على بعض ذنوبه قبل دخول الجنة.
ما الجمع بين وعد المسلم بالجنة وما جاء من الوعيد على بعض الذنوب؟
السؤال: 542044
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كان حقاً على الله من لقي الله وهو يحافظ على هذه الصلوات أن يدخله الجنة)، قال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق؟ قال: (وإن زنى وإن سرق)، قال: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: (وإن زنى وإن سرق)، فأعادها في الثالثة، فقال صلى الله عليه وسلم: (رغم آنف أبي ذر). وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيدِه لو أن رجلًا قُتلَ في سبيل الله ، ثم أُحْيِى ، ثم قُتل ، ثم أُحيى ، ثم قُتل ، وعليه دين ما دخل الجنةَ حتى يُقضى عنه دينه).
فكيف يدخل الجنة من سرق والسراق في مقام المدين بما سرق الرجاء التوضيح؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
روى البخاري (5827)، ومسلم (283) عن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال : "أَتَيْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ نَائِمٌ عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : ( مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ؛ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ).
قُلْتُ " وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ . قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ثَلاَثًا . ثُمَّ قَالَ فِى الرَّابِعَةِ : عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِى ذَرٍّ.
قَالَ : فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَقُولُ : وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِى ذَرٍّ.
ثانيا:
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشهيد يغفر له كل شيء؛ إلا الدّين.
روى الإمام مسلم (1886): عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ؛ إِلَّا الدَّيْنَ ).
والدين هنا يتناول كل حقوق الآدميين، فإذا كان سيؤاخذ بمال الدين الذي قد أخذه بإذن صاحب المال، فمن باب أولى أن يؤاخذ بما أخذه بدون إذنه، وبغير وجه حق، كالسرقة والخيانة.
كما في قول الله تعالى:
( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) آل عمران/161.
وهذا نص عام يتناول المجاهدين في غزواتهم حتى من مات فيها، ومما يشير إلى هذا ما رواه البخاري (4234)، ومسلم (115): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: " افْتَتَحْنا خَيْبَرَ، وَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً، إِنَّما غَنِمْنا الْبَقَرَ والإِبِلَ والْمَتاعَ والْحَوائِطَ، ثُمَّ انْصَرَفْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى وادِي الْقُرَى، وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ يُقالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، أَهْداهُ لَهُ أَحَدُ بَنِي الضِّبابِ، فَبَيْنَما هو يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ جاءَهُ سَهْمٌ عائِرٌ، حَتَّى أَصابَ ذَلِكَ الْعَبْدَ، فقالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الشَّهادَةُ. فقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
(بَلَى، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَصابَها يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغانِمِ، لَمْ تُصِبْها الْمَقاسِمُ، لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نارًا).
فَجاءَ رَجُلٌ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِشِراكٍ أَوْ بِشِراكَيْنِ. فَقالَ: هَذا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ. فقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (شِراكٌ -أَوْ: شِراكانِ- مِنْ نارٍ ).
وقد سبق بسط هذا في جواب السؤال رقم: (186979).
ثالثا:
والجمع بين هذه الأخبار من وجهين:
الوجه الأول:
أن يحمل ما ورد في حديث أبي ذر: ( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ )، على الزنا والسرقة التي وقعت قبل كمال إخلاصه في نطقه واعتقاده بكلمة التوحيد، وذلك بأن يقولها ويعتقدها بعد ذنوبه محققا لها على وجه الكمال، والمكمل لكلمة التوحيد يقلع عن المعاصي ويتوب منها بصدق وإخلاص.
فمثل هذا المؤمن يموت تائبا من ذنوبه فلا يعاقب عليها، ومن التوبة من الذنوب التي تتعلق بحقوق العباد أن يسعى في رد الحقوق إلى أهلها.
ولهذا قال الإمام البخاري بعد ذكره لحديث أبي ذر (5827): " هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ، أَوْ قَبْلَهُ؛ إِذَا تَابَ وَنَدِمَ وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، غُفِرَ لَهُ " انتهى.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
" وحاصل ما أشار إليه: أنّ الحديث محمول على من وحّد ربّه، ومات على ذلك؛ تائبا من الذّنوب الّتي أشير إليها في الحديث، فإنّه موعود -بهذا الحديث- بدخول الجنّة ابتداء.
وهذا، في حقوق اللّه: باتّفاق أهل السّنّة.
وأمّا حقوق العباد: فيشترط ردّها عند الأكثر، وقيل بل هو كالأوّل ويثيب اللّه صاحب الحقّ بما شَاء " انتهى. "فتح الباري" (10 / 283 ).
وقال ابن رجب رحمه الله تعالى:
" ويشهد لهذا المعنى حديث معاذ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ )، فإن المحتضر لا يكاد يقولها إلا بإخلاص، وتوبة، وندم على ما مضى، وعزم على أن لا يعود إلى مثله، ورجّح هذا القول الخطابي في مصنف له مفرد في التوحيد، وهو حسن" انتهى. "جامع العلوم والحكم" (1 / 527).
ويؤيد هذا الوجه ما ورد في الحديث: ( لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا ).
والمصرّ على السرقة عنده نوع شرك خفي؛ وذلك بأنه اتبع هواه وشيطانه بما يوسوس به.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى:
" … لا يصح تحقيق معنى قول: لا إله إلا الله، إلا لمن لم يكن في قلبه إصرار على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يريده الله، ومتى كان في القلب شيء من ذلك، كان ذلك نقصا في التوحيد، وهو من نوع الشرك الخفي. ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ( أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ) قال: لا تحبوا غيري… " انتهى. "جامع العلوم والحكم" (1 / 524).
الوجه الثاني:
أن القائل لكلمة التوحيد الذي يموت عليها، تنفعه في دخول الجنة، فلم ينص الحديث على عدم دخوله النار أبدا، وإنما وعده بالجنة، فلا يمنع هذا الوعد من أن المسلم إن كان صاحب ذنوب كالسرقة؛ أنه قد يعذب عليها ويطهر منها، ثم يدخل بعد ذلك الجنة .
قال ابن بطال رحمه الله تعالى:
" قال المهلب: لا خلاف بين أئمة المسلمين أن من قال: لا إله إلا الله، ومات عليها؛ أنه لابد له من الجنة، ولكن بعد الفصل بين العباد ورد المظالم إلى أهلها" انتهى. "شرح صحيح البخاري" (3 / 236).
وقال ابن رجب رحمه الله تعالى:
" وحديث أبي ذر معناه: أن الزنى والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد، وهذا حق لا مِرْية فيه؛ ليس فيه أنه لا يعذَّب عليها مع التوحيد.
وفي مسند البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا:
( مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، نَفَعَتْهُ يَوْمًا مِنْ دَهْرِهِ؛ يُصِيبُهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ ) " انتهى. "كلمة الإخلاص" (ص12).
وقال النووي رحمه الله تعالى:
" وأما حكمه صلى الله عليه وسلم على من مات يشرك، بدخول النار، ومن مات غير مشرك، بدخوله الجنة؛ فقد أجمع عليه المسلمون ...
وأما دخول من مات غير مشرك الجنة: فهو مقطوع له به لكن؛ إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرا عليها: دخل الجنة أولا. وإن كان صاحب كبيرة، مات مصرا عليها: فهو تحت المشيئة، فإن عفي عنه، دخل أولا. وإلا، عذب، ثم أخرج من النار وخلد في الجنة، والله أعلم.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ): فهو حجة لمذهب أهل السنة أن أصحاب الكبائر لا يقطع لهم بالنار، وأنهم إن دخلوها، أخرجوا منها، وختم لهم بالخلود في الجنة. وقد تقدم هذا كله مبسوطا، والله أعلم " انتهى. "شرح صحيح مسلم" (2 / 97).
والخلاصة:
الأحاديث التي ورد فيها الوعد بدخول الجنة لكل موحد، لا تعارضها النصوص الواردة بالوعيد بالعذاب والمؤاخذة بالذنوب التي دون الكفر والشرك.
فإما أن يكون المراد أنه يموت على التوحيد تائبا نادما فيكون مستحقا لدخول الجنة ابتداء .
وإما أن يكون المعنى أن من مات على التوحيد فإن مآله إلى الجنة قطعا ، ولكن هذا لا يمنع أن يعذب على بعض ذنوبه قبل دخول الجنة .
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟