هل السنة المشي أمام الجنازة أو خلفها؟

السؤال 520742

كنا نمشي في جنازة، فأنكر بعض الإخوة على من كان يمشي أمام الجنازة، وقالوا: السنة أن نمشي خلفها فقط؛ لأننا نتبع الجنازة، واستدل بكلام الشيخ الألباني في أحكام الجنائز، فهل صحيح أن المشي أمامها مخالف للسنة؟

ملخص الجواب

أحاديث تفضيل المشي أمام الجنازة أو خلفها لا تخلو من مقال، وأقوى ما في الباب عمل الصحابة، وأكثره على المشي أمامها، وهو قول الجمهور.
ومع ذلك فالأمر واسع، فيجوز المشي أمام الجنازة أو خلفها أو عن يمينها أو شمالها ما دام قريبًا منها، ولا إنكار في ذلك.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

لا يختلف العلماء في إباحة المشي أمام الجنازة أو خلفها أو عن يمينها أو شمالها إذا كان قريبا منها، وإنما اختلفوا في الأفضل من ذلك.

ومذهب جمهور العلماء أن الأفضل هو المشي أمامها.

واحتجوا على هذا:

1-بما رواه الإمام مالك في الموطأ (226) عن ابن شهاب الزهري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة، والخلفاء هلم جرا، وعبد الله بن عمر.

وهذا حديث مرسل، وقد وصله أبو داود (3179) والترمذي (1007) من رواية الزهري عن سالم عن ابن عمر.

2-وأن هذا هو المنقول من فعل جمهور الصحابة.

عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: " كان أصحابُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم يمشُون أمامَ الجِنازة، حتَّى إذا تباعدُوا عنها قاموا ينتظرونها". رواه ابن أبي شيبة في المصنف (2/477) بسند صحيح.

"ولفظة (كان) تفيد المداومة والتكرار، ومعلوم أنهم لا يداومون إلا على أفضل الأعمال"، كما قال القاضي عبد الوهاب في "شرح الرسالة" (1/106)

وعن ربيعة بن عبد اللَّه بن الهُدَيرِ أنَّه رأى عمر بن الخطَّابِ يُقدِّمُ النَّاسَ أمام الجنازة في جنازة زينب بنت جَحْشٍ. رواه مالك في الموطأ (527)

قال الباجي: "وقد فعل ذلك عمر بحضرة الصحابة، لا سيما في مثل جنازة زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فإنَّه لا يتخلف عنها أحد إلا لعذر، ثم لم يثبت في ذلك إنكار من أحد"، انتهى من "المنتقى شرح الموطأ" (2/9)

وقال ابن عبد البر: "فأورد مالك في هذا الباب: السُّنةَ، وعملَ الخلفاء بذلك ومن بعدهم، واشتهار ذلك بالمدينة عندهم، حتى جعله ابن شهاب مع علمه بآثار من مضى: سنة مسنونة، وجعلَ ما خالفها خطأ". الاستذكار (3/20)

ويشير ابن عبد البر إلى قول ابن شهاب الزهري: "المشْيُ خلْفَ الجنازة من خَطَإِ السُّنَّة". الموطأ (529).

وقوله: من خطأ السّنة: أَي من مخالفتها. كما في تنوير الحوالك، للسيوطي (1/ 176).

قال ابن المنذر:

"ممن كان يرى المشي أمام الجنازة: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وأبو هريرة، والحسن بن علي، وابن الزبير، وأبو أسيد الساعدي، وأبو قتادة.

وقال ابن أبي ليلى: لقد كنا مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نمشي بين يدي الجنازة". انتهى من "الأوسط" (5/414)

وقال ابن عبد البر: "وذكر أبو بكر الأثرم بالأسانيد الحسان، عن عثمان بن عفان، وطلحة، والزبير، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي أسيد، وأبي قتادة، وعبيد بن عمير، وشريح، والأسود بن يزيد، والقاسم، وعروة، وسعيد بن جبير، والسائب بن يزيد، وسليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، وبسر بن سعيد، وعطاء بن يسار، وابن شهاب، وربيعة، وأبي الزناد، كلهم يمشون أمام الجنازة.

قال أبو بكر: وحدثنا علي بن أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن محمد بن المنكدر، قال: ما رأيت أحدا ممن أدركت من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهم يمشون أمام الجنازة، حتى إن بعضهم لينادي بعضا ليرجعوا إليهم". انتهى من "التمهيد" (7/ 473)

والآثار عن الصحابة في المشي أمامها كثيرة. ينظر: مصنف ابن أبي شيبة (7/ 208)

قال الشافعي: "ولم نكن نحن نعرف موضع الفضل إلا بفعلهم، فإذا فعلوا شيئا، وتتابعوا عليه= كان ذلك موضع الفضل فيه". الأم (2/ 613).

ووجه بعضهم ذلك بأنهم شفعاء لها، والشفيع يتقدم المشفوع له.

وفي المدونة (1/253) قلت لمالك: فالمشي أمام الجنازة؟

قال مالك: "المشي أمام الجنازة هو السنة".

قال الشافعي: "سمعنا من أصحابنا من يقول المشي أمام الجنازة أفضل من المشي خلفها، ولم أسمع أحدًا عندنا يخالف في ذلك، وقال بعض الناس: المشي خلفها أفضل". انتهى من "الأم" (2/ 613)

وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: "ورأيتُ أبي إذا كان في جنازة يتَقَدَّم يمشي أمامها". انتهى من "مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله" (ص143)

وقال: "سمعت أبي يقول: المشي أمام الجنازة أعجب إليَّ، ويكون قريبا منها". انتهى من "مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله" (ص144).

ثانيا:

ذهب الإمام أبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق بن راهويه والأوزاعي، والظاهرية، إلى أن المشي خلف الجنازة هو الأفضل. ينظر: الأوسط لابن المنذر (5/ 416)

قال محمد بن الحسن: "قَالَ أبو حنيفَة رضي الله عنه فِي الْمَشْي مَعَ الْجِنَازَة: الْمَشْي خلفهَا أفضل من الْمَشْي امامها، وإن مَشى أمامها فَلَا بَأْس مَا لم يتغيب عَنْهَا". انتهى من "الحجة على أهل المدينة" (1/ 366)

واستدلوا:

1- بحديث البراء بن عازب: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع: عيادة المريض، واتباع الجنائز...) رواه البخاري (5849) ومسلم (2066)

"والمتبِع للشيء: هو المتأخر عنه؛ لا المتقدم أمامه". انتهى من "شرح مختصر الطحاوي" للجصاص (2/222)

قال ابن حزم: "فلفظ الاتباع لا يقع إلا على التالي، ولا يُسمَّى المتقدم تابعًا، بل هو متبوع". انتهى من "المحلى بالآثار" (3/ 393)

وقال ابن دقيق العيد: "والذين اختاروا المشيَ خلفها يحتجُّون بظاهر الحديث، بناءً على حمْل الاتِّباعِ على الاتِّباعِ الحِسيِّ في المكان، والمختارون للتَّقدُّم حَمَلُوْه على الاتِّباع المعنويِّ.

فإن كان مجازًا فيه، وجب أن يكون الدَّليل الدالُّ على استحباب التَّقدُّم راجحًا على العمل بظاهر الاتِّباع وحقيقتِه، وإذا كان كذلك كان دليلًا عاضدًا للتأويل". انتهى من" شرح الإلمام" (2/ 70)

وقال الشيخ الألباني:" الأفضل المشي خلفها، لأنه مقتضى قوله صلى الله عليه وسلم: (واتبعوا الجنائز)". انتهى من "أحكام الجنائز" (ص 74).

2- وعن عبد الرحمن بن أبزى قال: كنت مع علي في جنازة، قال: وعليٌّ آخذ بيدي ونحن خلفها، وأبو بكر وعمر يمشيان أمامها، فقال: "إن فضل الماشي خلفها على الذي يمشي أمامها، كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، وإنَّهما ليعلمان من ذلك ما أعلم، ولكنهما لا يحبان أن يشقا على الناس".  رواه عبد الرزاق في المصنف (4/ 174)، وابن أبي شيبة في المصنف (4/101) والطحاوي (1/ 279)، وحسنه الحافظ في فتح الباري (3/ 183 ط السلفية) وكذا الشيخ الألباني في أحكام الجنائز (ص74).

3- وقول طاوس: "ما مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات إلا خلف الجنازة". رواه عبد الرزاق في المصنف (4/ 174).

وهذا حديث مرسل.

ثالثا:

الذي يظهر والله أعلم:

1- أن أحاديث تفضيل المشي أمام الجنازة أو خلفها لا يصح منها شيء مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم، فكل ما ورد في ذلك معلول.

فحديث الزهري عن سالم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة، رجح أكثر أئمة الحديث إرساله، وقال الترمذي في سننه (2/321): " أهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح ".

وكذلك ما أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (4/ 45) من حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها.

قال الترمذي في السنن (2/ 322): "وحديث أنس في هذا الباب غير محفوظ".

وقال البخاري: " هذا حديث خطأ ...، وإنما يُروى هذا الحديث عن يونس، عن الزهري [=يعني: مرسلا]: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة". انتهى من "سنن الترمذي" (2/ 322).

وقال ابن عبد البر: "وهذا خطأ لا شك فيه... وأما قوله: (وخلفها) فلا يصح في هذا الحديث، وهي لفظة منكرة فيه، لا يقولها أحد من رواته". التمهيد - ابن عبد البر (7/ 465 ت بشار)

وأما أحاديث المشي خلفها: فقال ابن عبد البر: "كلها أحاديث كوفية لا تقوم بأسانيدها حجة" انتهى من "الاستذكار" (3 /21).

وقال: "ضعف أحمد حديث علي بن أبي طالب أنه قال: فضل المشي خلفها، على المشي أمامها، كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ". انتهى من "التمهيد" (7/ 468)

وقال النووي: " الأحاديث التي جاءت بالمشي خلفها ليست ثابتة". انتهى من "المجموع" (5 / 279)، ومثله في "طرح التثريب" (4 /283) للعراقي.

 2-أن الأمر باتباع الجنازة لا يلزم منه أن يكون خلفها، فقد يكون عن يمينها أو شمالها أو أمامها وهو متبع لها.

قال الإمام الشافعي:

"فلم نر من مشى أمامها إلا لاتباعها، فإذا مشى لحاجته فليس بتابعٍ للجنازة، ولا يشك عند أحد أن من كان أمامها هو معها".

وقال:

"الجنازة إنما هي تُنقل، لا تتبع أحدا، وإنما يُتبَع بها، وينقلها الرجال، ولا تكون هي تابعة ولا زائلة، إلا أن يزال بها، ليس للجنازة عمل، إنما العمل لمن تبعها، ولمن معها، ولو شاء محتج أن يقول: أفضل ما في الجنازة حملها، والحامل إنما يكون أمامها ثم يحملها، لكان مذهبا، والفكر للمتقدم والمتخلف سواء". "الأم" (2/ 614)

وقال القاضي عبد الوهاب عن قولهم الجنازة متبوعة وليست بتابعة: "لا دلالة فيه؛ لأنه ليس معنى اتباعه لها أن يكون خلفها؛ لأن المتبع قد يكون أمام المتبع وخلفه، على حسب العادة في ذلك". انتهى من "شرح الرسالة" (1/ 109)

 3-فلم يبق ما يُستند عليه للتفضيل إلا آثار الصحابة، والثابت عن جمهورهم هو المشي أمامها.

 4-وجاء في التوسعة في المشي أمامها وخلفها حديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الرَّاكِبُ: خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِي: حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ). رواه أحمد (18162)، والترمذي (1052) والنسائي (1942)

واختلف في وقفه ورفعه، ومال الدارقطني لترجيح الوقف، بينما قال الإمام أحمد: "مرفوع صحيح" كما في "التعليقة الكبيرة" لأبي يعلى (4/ 185)، وصححه الترمذي. ينظر: البدر المنير (5 / 235)، التلخيص الحبير (3/ 1186 ط أضواء السلف).

وعلى كل حال، فالأمر في هذا واسع، فيفعل الإنسان ما هو أيسر له، والخلاف في هذا الباب كما سبق خلاف في الأفضلية لا أكثر.

قال ابن المنذر: "المشي أمام الجنائز وخلفها، وعن يمينها وعن شمالها: جائز.

والمشي أمامها أحب إليَّ؛ لحديث ابن عمر؛ ولأن عليه الأكثر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم.

فليُكثر من تبع الجنازة - حيث مشى منها - ذكرَ الموت، والفكر في صاحبهم، وأنهم صائرون إلى ما صار إليه، وليستعد للموت ولما بعده، سهَّل الله لنا حسن الاستعداد للقائه". "الأوسط" (5/ 417).

وقال ابن عبد البر: " المشي أمام الجنازة أكثرُ عن العلماء، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين، وهو مذهب الحجازيين، وهو الأفضل إن شاء الله .

ولا بأس عندي بالمشي خلفها، وحيث شاء الماشي منها؛ لأن الله عز وجل لم يحظر ذلك، ولا رسوله، ولا أعلم أحدا من العلماء كره ذلك، ولا ذكر أن مشي الماشي خلف الجنازة يحبط أجره فيه". انتهى من "الاستذكار" (3 / 17)

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "ذكر أهل العلم أن التابع للجنازة إن كان راكباً فالأفضل أن يكون خلف الجنازة، وإن كان ماشياً فالسنة أن يكون خلفها أو يمينها أو شمالها.

والأمر في هذا واسع والعلماء، قالوا: إن الرُّكبان يكونون خلف الجنازة في عهدهم؛ لأن الناس كانوا يركبون على الإبل أو على الحمير أو ما أشبهها.

أما الآن فالأولى للركبان إذا كانوا في السيارات أن يكونوا أمامها؛ لأن وجودهم خلف المشيعين يزعجهم، وربما يزعج المشيعين، فيسرعوا إسراعاً فاحشاً يخشى على الميت مع قوة الرجِّ أن يخرج منه شيء، فلهذا أرى أن الركبان في السيارات في الوقت الحاضر يكونون أمام الجنازة، فإن لم يتيسر لهم ذلك فليكونوا خلفها بعيداً عن المشاة لئلا يزعجوا المشاة، والأمر بالنسبة للمشاة واسع؛ إن كانوا عن أمامها أو خلفها أو يمينها أو شمالها". انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (17/ 102)

والحاصل:

أن أحاديث تفضيل المشي أمام الجنازة أو خلفها لا تخلو من مقال، وأقوى ما في الباب عمل الصحابة رضي الله عنهم، والأكثر المنقول عنهم المشي أمامها، وهو اختيار جمهور الفقهاء.

ومع ذلك فالأمر واسع؛ فمن مشى أمامها أو خلفها أو عن يمينها أو شمالها، وكان قريبا منها، فلا حرج عليه، ولا إنكار في ذلك.

والله أعلم.

 

المراجع

الجنائز وأحكام المقابر

المصدر: 

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android