في عامة القرآن تقديم (الْغَفُورُ ) على (الرَّحِيمُ)، فلماذا في سورة سبأ قال: (الرَّحِيمُ الْغَفُورُ)؟

السؤال 664105

لماذا قال الله تعالى في سورة سبأ/2 في (الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) في حين أنه يقول في باقي سورة القرآن (غَفُورًا رَحِيمًا) أو (الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) إلخ...؟

ملخص الجواب

 تقديم المغفرة على الرحمة في القرآن؛ لأن المغفرة سلامة والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة. وفي آية سبأ قُدّمت الرحمة لعمومها وشمولها جميع المخلوقات، بخلاف المغفرة المختصة ببعض المكلّفين. وفيه وجه آخر يعلم من الجواب.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

اقترن اسما الله تعالى (الْغَفُورُ) و(الرَّحِيمُ) في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وجاء الأصل في ترتيبهما تقديم المغفرة على الرحمة كقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وقوله: (وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، بينما انفرد موضع واحد في القرآن بتقديم الرحيم على الغفور، وهو في مطلع سورة سبأ: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ).

وقد وجّه علماء التفسير وكتب أسرار التعبير القرآني والمتشابه هذا الترتيب بعدة لطائف وحِكَم بيانية، منها:

الأصل في تقديم المغفرة على الرحمة: أن المغفرة سلامة من العذاب ودفعٌ للشر، والرحمة غنيمة بالثواب وجلبٌ للخير، وطلب السلامة والتخلية مقدم بالطبع على نيل الغنيمة والتحلية.

أما العلة في آية سبأ: الآية سيقت في تعداد أصناف الخلق والكائنات في عموم الكون: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) سبأ/2 ، وهذا يشمل المكلفين وغيرهم من سائر الخلائق والحيوانات والجمادات؛ فالرحمة تعمُّ سائر الكائنات في الرزق والإيجاد والإحياء، بينما المغفرة تخص بعض المكلفين من أصحاب الذنوب، وحق العام بالطبع والرتبة أن يُقدَّم على الخاص، كقوله تعالى: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) الرحمن/68.

قال السهيلي رحمه الله (581هـ):

"وأما تقديم (الْغَفُور) على (الرَّحِيمُ) فهو أولى بالطبع؛ لأن المغفرة سلامة والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة، ألا ترى لقوله عليه السلام لعمرو بن العاص - رضي الله عنه -: "أبعثُك وجهاً يسلمك الله تعالى ويغنمك، وأرغب لك رغبةً من المال".

فهذا من الترتيب البديع، بدأ بالسلامة قبل الغنيمة، وبالغنيمة قبل الكسب، والعطية الأولى من التقدم بالطبع، والثانية من التقدم بالسبب.

وأما قوله: (وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) في (سبأ)، فالرحمة هناك متقدمة على المغفرة، إما بالفضل والكمال، وإما بالطبع؛ لأنها منتظمة بذكر أوصاف الخلق من المكلفين وغيرهم من الحيوان، فالرحمة تشمهلم والمغفرة تخصهم، والعموم بالطبع قبل الخصوص، كقوله تعالى: (فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) [الرحمن/68]، وكقوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) [الرحمن/68]. افتتح بالعموم، الذي هو متقدم بالطبع على الخصوص" انتهى من نتائج الفكر في النحو للسهيلي (ص: 212). وانظر: " بدائع الفوائد"، لابن القيم (1/112).

2. التناسب مع صفة العلم وسياق الحمد.

افتُتحت الآية ببيان سعة العلم الإلهي المحيط: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ)، ومِن هدي القرآن البياني اقتران سعة العلم بسعة الرحمة كقوله تعالى: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا)، فقُدّم اسم الرحيم ليكون متصلاً ومطابقاً لذكر سعة العلم ومناسبة الحمد المطلق المذكور في أول السورة.

قال ابن القيم رحمه الله:

"وأما ما ذكره السهيلي من تقديم "الغفور" على "الرحيم"؛ فحسنٌ جدّاً.

وأما تقديم "الرحيم" على "الغفور" في موضع واحد، وهو أول (سبأ)؛ ففيه معنىً غير ما ذكره يظهر لمن تأمَّل سياقَ أوصافه العُلى وأسمائه الحسنى في أول السورة إلى قوله تعالى: وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ [سبأ/ 2]، فإنَّه ابتدأ -سبحانه- السورةَ بـ(حمده) الذي هو أَعمُّ المعارف وأوسع العلوم، وهو متضمِّن لجميع صفات كماله ...، ثمَّ عقَّب هذا (الحمد) بملكه الواسع المديد، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [سبأ/ 1]، ...

وقرن بين الملك والحمد على عادته -تعالى- في كلامه، فإن اقتران أحدهما بالآخر له كمال زائد على الكمال بكلِّ واحدٍ منهما، ...

وقدَّم "الرحيم" في هذا الموضع: لتقدُّم صفة العلم، فحَسُن ذكر "الرحيم" بعده ليقترن به فيطابق قوله تعالى: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر: 7].

ثمَّ ختم الآيةَ بذكر صفة (المغفرة) لتضمُّنها دفع الشر، وتضمّن ما قبلها جلب الخير، ولما كان دفع الشر مقدَّماً على جلب الخير، قدم اسم "الغفور" على "الرحيم" حيثُ وقع.

ولما كان في هذا الموضع معارض يقتضي تقديم اسمه "الرحيم" لأجل ما قبله؛ قُدِّم على "الغفور"" انتهى من بدائع الفوائد (1/138) مختصرًا.

والله أعلم بمراده.

المراجع

تفسير القرآن

المصدر: 

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

App StoreGoogle Play