(التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ)، هل هو حديث صحيح؟

السؤال 659785

هل (حديث التؤدة خير في كل شيء إلا في أمر الآخرة) حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أم موقوف عن الصحابة؟

ملخص الجواب

 الأرجح أن هذا القول منسوب إلى كلام عمر رضي الله عنه بسند فيه ضعف، لكن معناه صحيح تشهد له أصول الشرع العامة.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

هذا الحديث رواه أبو داود (4810)، وأبو يعلى في "المسند" (2 / 112)، والحاكم في "المستدرك" (1 / 63 - 64)، وغيرهم: عن عَبْدِ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: الْأَعْمَشُ وَقَدْ سَمِعْتُهُمْ يَذْكُرُونَه، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ الْأَعْمَشُ وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ).

وهذا إسناد رواته ثقات؛ إلا أنّ راويه عبد الواحد وهو ابن زياد؛ وإن كان ثقة إلّا أنّه قد ورد فيه كلام من جهة ضبطه.

قال الذهبي رحمه الله تعالى:

"عبد الواحد بن زياد العبديّ، عن الأعمش وغيره: صدوق يغرب.

قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو داود الطيالسيّ: عمد إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش فوصلها كلّها. وليّنه القطان" انتهى. "المغني في الضعفاء" (2 / 410).

ولخّص حاله الحافظ ابن حجر، بقوله رحمه الله تعالى:

"عبد الواحد بن زياد العبديّ، مولاهم البصريّ: ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده مقال" انتهى. "تقريب التهذيب" (ص367).

وقد خالفه سفيان الثوري وهو أوثق منه، وخاصة في الأعمش؛ فروى سفيان الثوري هذا الخبر عن الأعمش؛ موقوفا من كلام عمر رضي الله عنه.

فرواه وكيع في "الزهد" (ص523)، ومن طريقه ابن أبي شيبة في "المصنف" (20 / 84)، والإمام أحمد في "الزهد" (ص98)، ورواه مسدد كما في "المطالب العالية" (13 / 625)، وغيرهم: عن سُفْيَان، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: (التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خَيْرٌ، إِلَّا مَا كَانَ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ).

لكن الخبر منقطع، فمالك بن الحارث لا يروي عمن تقدمت وفاته من الصحابة كعمر رضي الله عنه، بل روايته عن التابعين وبعض صغار الصحابة.

ورواه ابن أبي الدنيا في "الزهد" (ص45)، وغيره: عَنْ الْمُحَارِبِيّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: (التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خَيْرٌ إِلَّا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ).

لكن في إسناده إسماعيل بن مسلم، وقد ضُعِّف.

قال الذهبي رحمه الله تعالى:

"إسماعيل بن مسلم، بصري جاور بمكة عن الحسن والشعبي وعنه المحاربي والأنصاري وجماعة: ضعّفوه، وتركه النسائيّ" انتهى. "الكاشف" (1 / 249 - 250).

ثانيا:

وهذا القول مع ضعف سنده، فمعناه صحيح.

فالتُّؤَدَةُ: هي التّأنّي والتثبت وعدم العجلة.

وهي مطلوبة في أمور الدنيا؛ فيتثبت العبد في الأمور التي سيقدم عليها حتى لا يندم.

وأمّا ما ثبت من أمور الدين، فإذا همّ به العبد وحان وقته فلا يؤخره، بل يسارع إليه وينافس فيه، كما جاء الحث على ذلك في القرآن الكريم.

فمثلا إذا دخل وقت الصلاة فلا يؤخرها، بل يصليها في أول وقتها مع جماعة المسجد، وإذا وجد قدرة واستطاعة على الحج فلا يؤخره، وإذا همّ بصدقة فلا يؤخرها بل يعجلها إلى مستحقيها، وإذا أراد طلب علم فلا يؤخره بل يبادر إليه من يومه بحسب الاستطاعة، وهكذا الحال مع كل ما ثبت من أبواب الخير.

قال الطيبي رحمه الله تعالى:

"[قال القاضي البيضاوي:] التؤدة: التأني والسكون فعلة من الوئيد وهو المشي بثقل.

والمعنى: أن التأني في كل شيء مستحسنٌ؛ إلا في أمر الآخرة. انتهى كلامه.

وذلك أن الأمور الدنيوية لا تُعلم عواقبُها في ابتدائها، وأنها محمودة العواقب حتى يتعجل فيها، أو مذمومة فيتأخر عنها، بخلاف الأمور الأخروية لقوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، و وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ.

قال الشيخ أبو حامد في قوله تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ: ينبغي للمؤمن أنه إذا تحركت داعية البذل أن لا يتوقف، لأن الشيطان يعده الفقر ويخوفه ويصده عنه" انتهى. "شرح المشكاة للطيبي" (10 / 3224).

الخلاصة:

رواية الوقف لهذا الخبر هي الأرجح؛ وأنه منسوب إلى كلام عمر رضي الله عنه، وهي – الرواية الموقوفة- كذلك لم تثبت صحتها للانقطاع في السند.

لكن معنى الخبر صحيح تشهد له أصول الشرع العامة.

والله أعلم.

المراجع

الآداب والأخلاق والرقائق

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android