هل حديث الاستخارة صحيح؟ وحكم تضعيف الإمام أحمد له

السؤال 649032

سمعنا أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، ضعف حديث الاستخارة على الرغم من أنه في صحيح البخاري، وعلى الرغم أن صلاة الاستخارة مشروعة بالإجماع، هل يمكن أن نعلم ما هو الحق الذي لا ريب فيه؛ لكي تكون المسألة واضحة؟ هل يمكن أن توضح لنا أن حديث الاستخارة صحيح لا ريب فيه، وأن لا يأخذ بكلام من ضعف الحديث؟

ملخص الجواب

الذي يترجح أنّ حديث جابر ثابت صحيح، ولذا انتقاه الإمام البخاري وأدخله في "الصحيح"؛ لأن القرائن تشير إلى أنّ عبد الرحمن بن أبي الموال قد ضبطه وضبط إسناده، ومتنه له شواهد تثبت صحته

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

حديث صلاة ودعاء الاستخارة:

رواه الإمام البخاري (1162)، (6382)، (7390)، وأبو داود (1538)، والنسائي (3253)، والترمذي (480)، وابن ماجه (1383)، وابن حبان "الإحسان" (3 / 169)، وغيرهم من طرق: عن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَبِي الْمَوَالِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ: عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قالَ: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَالسُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ: إِذَا هَمَّ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ؛ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قالَ: في عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاقْدُرْهُ لِي، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ، وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ).

وهذا الإسناد ليس فيه كلام؛ إلّا في تفرد عبد الرحمن به عن ابن المنكدر، وعبد الرحمن قد وُثِّق، وروى عنه عدد من الثقات.

قال الترمذي رحمه الله تعالى:

"وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وأبي أيّوب.

حديث جابر حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلّا من حديث عبد الرّحمن بن أبي الموال، وهو شيخ مدينيٌ ثقة، روى عنه سفيان حديثا، وقد روى عن عبد الرّحمن غيرُ واحد من الأئمّة" انتهى.

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"قال أبو طالب، عن أحمد: لا بأس به.

وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: صالح.

وقال الترمذيّ، والنسائي: ثقة.

وكذا قال الدوريّ عن ابن معين، والآجريّ، عن أبي داود.

وقال أبو زرعة: لا بأس به، صدوق.

وقال أبو حاتم: لا بأس به، هو أحبّ إليّ من أبي معشر.

وقال ابن خراش: صدوق.

وقال ابن حبّان في "الثّقات": يخطئ" انتهى. "تهذيب التهذيب" (2 / 558).

وتفرّد الثقة يتوقف فيه إذا أثار شكا في ضبطه، وهذا الذي دفع الإمام أحمد إلى استنكار هذا الخبر، ورأى أنّ عبد الرحمن ربّما وهم فيه، فلعله رواه عن غير ابن المنكدر، فأخطأ في الإسناد.

جاء في "مسائل حرب الكرماني ت فايز حابس" (3 / 1288 بترقيم الشاملة آليا):

"قيل: فابن أبي الموال؟ قال: وكم حديث ابن أبي الموال؟!

وقال: روى حديثا لم يروه أحد. يعني حديث الاستخارة عن جابر، وكان يضعّفه" انتهى.

وقد ورد تفصيل كلامه هذا عند ابن عديّ، حيث قال رحمه الله تعالى:

"حدثنا ابن أبي عصمة، حدثنا أَبو طالب، سألت أحمد بن حنبل، عن عبد الرحمن بن أبي الموال؟

قال: عبد الرحمن لا بأس به، قال: ... يروي حديثا لابن المنكدر، عن جابر، عن النبي صَلّى الله عليه وسلّم؛ في الاستخارة، ليس أحد يرويه غيره، هو منكر.

قلت: هو منكر؟

قال: نعم، ليس يرويه غيره، لا بأس به، وأهل المدينة إذا كان حديثهم غلطا يقولون: ابن المنكدر عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت عن أنس، يحيلون عليهما" انتهى. "الكامل" (7 / 227 - 228).

لكن لم نجد فيمن هم بمنزلة الإمام أحمد في الحديث من تابعه على توهين هذا الحديث، بل تتابع أهل العلم بالحديث على قبوله، فانتقاه البخاري في "الصحيح"، وصححه الترمذي كما سبق، وكذا أودعه ابن حبان في "الصحيح"، وصححه الدارقطني كما جاء في "أطراف الغرائب والأفراد" (2 / 388 - 389):

"حديث: (كَانَ رَسُول الله يعلمنَا الاستخارة ...) الحديث. غريب من حديث عبد الرّحمن بن أبي الموال عن جابر، وهو صحيح عنه" انتهى.

بل إن الإمام أحمد نفسه: روى الحديث في مسنده (14707).

وينظر رابط هذه المادة للفائدة

والقرائن في جانب من قبل الخبر وصحّحه.

لأن هذا الخبر لم يتفرد به راو واحد عن عبد الرحمن؛ بل رواه جمع من الرواة عن عبد الرّحمن بن أبي الموال؛ كقتيبة بن سعيد، ومطرّف بن عبد اللَّه أبي مصعب، وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبيّ، وعبد الرّحمن بن مقاتل، ومحمّد بن عيسى، ومنصور بن أبي مزاحم، وغيرهم= وكلهم رووه عنه على وجه واحد: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ: عَنْ جَابِرٍ.

وهذا الاتفاق بين تلامذته على هذا الوجه، ليس من شأن من قد وهم وأخطأ في حديثه؛ لأن الغالب في الذي يهم في شيء: أن يحدّث بعض تلامذته بوجه، والآخرين بوجه آخر، أما أن يحدثهم جميعا، طول حياته، بوجه واحد لا يضطرب فيه، فهذا من شأن من ضبط الإسناد ولم يهم فيه.

روى الخطيب في "الكفاية في علم الرواية" (ص435): عن الْحَارِث بْن سُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ ، يَقُولُ: "إِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى حِفْظِ الْمُحَدِّثِ إِذَا لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ الْحُفَّاظُ" انتهى.

والقرينة الأخرى، أنّ عبد الرحمن قد بيّن كيف سمع الحديث من ابن المنكدر، وأنه سمعه منه وهو يحدث به عبد الله ابن الحسن بن علي بن أبي طالب.

فعند البخاري (7390): حدَّثني إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ: حدَّثنا مَعْنُ بْنُ عِيسَى: حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي، قالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ، يَقُولُ: أخبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِيُّ ... الحديث.

وكذا رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (16 / 205): حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَّالِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ، يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرٍ.

فذكر عبد الرحمن لهذه الجزئية في كيفية سماعه من ابن المنكدر، يشير إلى ضبطه للإسناد وأنه لم يهم في اسم الراوي.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"وقد قال أحمد بن حنبل: إذا كان في الحديث قصة دل على أن راويه حفظه، والله أعلم" انتهى. "هدي الساري" (ص 363).

ثم متن الحديث له شواهد على سنيّة الاستخارة والدعاء فيها، كما سبق الإشارة إلى هذا في كلام الترمذيّ رحمه الله تعالى.

وقال العقيلي رحمه الله تعالى:

"وقد رُوِي في الاستخارة أحاديث صالحة الأسانيد" انتهى. "الضعفاء الكبير" (2 / 429).

وبهذه الشواهد عقّب ابن عدي على كلام الإمام أحمد، فقال رحمه الله تعالى:

"هو [عبد الرحمن ابن أبي الموال] مستقيم الحديث، والذي أُنْكِر عليه حديث الاستخارة، وقد روى حديث الاستخارة غير واحد من أصحاب النبي صَلي الله عَليه وسلم، كما رواه ابن أبي الموال" انتهى. "الكامل" (7 / 230).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"قلت: يريد [أي ابن عديّ] أن للحديث شواهد، وهو كما قال، مع مشاححة في إطلاقه، قال التّرمذيّ بعد أن أخرجه: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموال، وهو مدنيّ ثقة، روى عنه غير واحد، وفي الباب عن ابن مسعود، وأبي أيّوب.

قلت: وجاء أيضا عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عبّاس، وابن عمر، فحديث ابن مسعود أخرجه الطبرانيّ وصحّحه الحاكم، وحديث أبي أيّوب أخرجه الطبرانيّ وصحّحه ابن حبّان، والحاكم، وحديث أبي سعيد، وأبي هريرة أخرجهما ابن حبّان في صحيحه، وحديث ابن عمر وابن عباس حديث واحد أخرجه الطبرانيّ من طريق إبراهيم بن أبي عبلة، عن عطاء عنهما، وليس في شيء منها ذكر الصّلاة سوى حديث جابر، إلا أنّ لفظ أبي أيّوب: (اكتم الخطبة، وتوضأ فأحسن الوضوء، ثم صل ما كتب الله لك) الحديث، فالتّقييد بركعتين خاصّ بحديث جابر" انتهى. "فتح الباري" (11 / 184).

ويشهد لمشروعية الصلاة للاستخارة، ما ورد عند الإمام مسلم (1428): عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: (لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِزَيْدٍ: فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ، قَالَ: فَانْطَلَقَ زَيْدٌ، حَتَّى أَتَاهَا، وَهِْيَ تُخَمِّرُ عَجِينَهَا، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهَا عَظُمَتْ فِي صَدْرِي حَتَّى مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَهَا، فَوَلَّيْتُهَا ظَهْرِي، وَنَكَصْتُ عَلَى عَقِبِي، فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ، أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُكِ، قَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُوَامِرَ رَبِّي، فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا...).

قال النووي رحمه الله تعالى:

"قولها: (مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُوَامِرَ رَبِّي، فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا ): أي موضع صلاتها من بيتها، وفيه استحباب صلاة الاستخارة لمن همّ بأمر، سواء كان ذلك الأمر ظاهر الخير أم لا، وهو موافق لحديث جابر في "صحيح البخاري"، قال: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا) ..." انتهى. "شرح صحيح مسلم" (9 / 228).

وخلاصة الجواب :

أن الذي يترجح هو أنّ حديث جابر ثابت صحيح، ولذا انتقاه الإمام البخاري وأدخله في "الصحيح"؛ لأن القرائن تشير إلى أنّ عبد الرحمن بن أبي الموال قد ضبطه وضبط إسناده، ومتنه له شواهد تثبت صحته.

والله أعلم.

المراجع

صلاة الاستخارة

المصدر: 

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android