لماذا سمِّيت الرؤى والمنامات (أحاديث) في القرآن؟

السؤال 644202

لماذا جاءت كلمة الأحاديث في قوله تعالى : ( ويعلمك من تاويل الأحاديث) كناية عن الرؤى والأحلام؟

ملخص الجواب

ورد لفظ الأحاديث في قوله تعالى: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وفي مواضع أُخر من السورة نفسها، وجاء التعبير به عن الرؤى والمنامات لِعِدَّة نِكَتٍ بيانية ومقاصد لغوية وشرعية فصّلها أئمة التفسير واللغة.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا: موضع الآية وسياقها
ينبغي التنبيه إلى أن قوله تعالى: وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ورد في سورة يوسف، الآية السادسة، في سياق قول يعقوب عليه السلام لابنه يوسف عليه السلام بعد أن قص عليه رؤياه: إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ۝ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ۝ وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ [يوسف: 4-6].

فالسياق القريب يبين أن المقصود بـتأويل الأحاديث هو العلم الذي يختص بتعبير الرؤى، لأن الكلام قبل الآية وبعدها متعلق برؤيا يوسف وما تدل عليه.
وقد تكرر لفظ تأويل الأحاديث في سورة يوسف في ثلاثة مواضع تدل على عظيم منّة الله على نبيه يوسف عليه الصلاة والسلام:

1. قوله تعالى حكايةً عن يعقوب عليه السلام: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ [يوسف: 6].

2. وقوله سبحانه في شأن تمكينه في مصر: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ [يوسف: 21].

3. وقول يوسف عليه السلام شكرًا لنعمة ربه: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ [يوسف: 101].

ثانياً إجماع المفسرين على أن المراد بـ"تأويل الأحاديث" هو تعبير الرؤيا:

قال مجاهد في قوله: ويعلمك من تأويل الأحاديث، قال: عبارة الرُّؤْيا. انظر "مصنف ابن أبي شيبة" (17/ 95 ت الشثري).
قال قتادة في قوله: وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث: فاجتباه واصطفاه، وعلَّمه مِن عَبْر الأحاديث، وهو تأويل الأحاديث. انظر "تفسير الطبري" (13/ 15).
قال مقاتل بن سليمان: ويعلمك من تأويل الأحاديث، يعني: ويُعَلِّمك تعبير الرؤيا. انظر "تفسير مقاتل بن سليمان" (2/ 318).
قال الطبري في "تفسيره" (13/ 15): "وقولُه: وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ. يقولُ: ويُعَلِّمُك ربُّكَ مِن علمِ ما يَئولُ إليه أحاديثُ الناسِ، عما يَرَونه في منامِهم، وذلك تعبيرُ الرؤيا". انتهى.
وقال البغوي في "تفسيره – طيبة" (4/ 214): "وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ يُرِيدُ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا، سُمِّيَ تأويلا لأنه يؤول أَمْرُهُ إِلَى مَا رَأَى فِي مَنَامِهِ، والتأويل ما يؤول إِلَى عَاقِبَةِ الْأَمْر". انتهى.
ونقل الإمام القرطبي رحمه الله إجماع أهل التفسير على هذا المعنى، فقال كما في "الجامع لأحكام القرآن" (9/ 129): "وَهَذَا ثَنَاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى يُوسُفَ عليه السلام، وَتَعْدِيدٌ فِيمَا عَدَّدَهُ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أَتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، مِنَ التَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ، وَتَعْلِيمِ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا....

وَعَنَى بِالْأَحَادِيثِ: مَا يَرَاهُ النَّاسُ فِي الْمَنَامِ، وَهِيَ مُعْجِزَةٌ لَهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَلْحَقْهُ فِيهَا خَطَأٌ. وَكَانَ يُوسُفُ عليه السلام أَعْلَمَ النَّاسِ بِتَأْوِيلِهَا". انتهى.

ثالثاً: السبب اللغوي والبياني في تسمية الرؤيا "حديثًا"

أوضح محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله في بيان "العلة" اللغوية فقال في "تفسير التحرير والتنوير" (12/ 216): "والأحاديث: يصح أن يكون جمع حديث بمعنى الشيء الحادث، فتأويل الأحاديث: إرجاع الحوادث إلى عللها وأسبابها بإدراك حقائقها على التمام. وهو المعني بالحكمة، وذلك بالاستدلال بأصناف الموجودات على قدرة الله وحكمته.

ويصح أن يكون الأحاديث جمع حديث بمعنى الخبر المتحدث به، فالتأويل: تعبير الرؤيا. سميت أحاديث لأن المَرَائي يتحدث بها الراؤون، وعلى هذا المعنى حملها بعض المفسرين. واستدلوا بقوله في آخر القصة: وقال يا أبت هذا تأويل رءياي من قبل [سورة يوسف: 100].

ولعل كلا المعنيين مراد، بناء على صحة استعمال المشترك في معنييه، وهو الأصح.

أو يكون اختيار هذا اللفظ إيجازا معجزا، إذ يكون قد حُكي به كلام طويل، صدر من يعقوب- عليه السلام بلغته، يعبر عن تأويل الأشياء بجميع تلك المعاني". انتهى.
فبيّن ابن عاشور أن كلمة "حديث" في لغة العرب تحتمل معنيين مترابطين:
1- أنها من "الحدوث" أي وقوع الشيء، و"حدوثه"، فسُمِّيت الرؤيا حديثًا لأنها حادثة تحدث في نفس النائم وخَياله.
2- أنها من "التحدث"، أي إخبار الرائي بما رآه؛ فالرائي إذا استيقظ تحدَّث بما رآه لغيره، طالبًا تعبيره، فسُمِّيت الرؤيا نفسها "حديثًا" تسميةً للمرئي باسم ما يترتب عليه من الإخبار به.
ومن القرائن القوية، على أن "تأويل الأحاديث" هو تأويل الرؤى تحديدًا: أن الله تعالى ختم قصة يوسف عليه السلام بقول يوسف نفسه حين تحققت رؤياه الأولى: وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ  فسمى تحقق الرؤيا "تأويلًا"، وهو نفس اللفظ الذي وعده الله به في مطلع السورة: وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ؛ فدلّ ربط أول السورة بآخرها على أن "الأحاديث" المقصودة هي الرؤى، وهذا من وجوه تفسير القرآن بالقرآن.
الحاصل:
أن قوله تعالى: وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ معناه: ويعلمك الله تعبير الرؤى، وفهم ما ترمز إليه، وبيان حقيقتها وما تؤول إليه في الواقع. وسميت الرؤى أحاديث لأنها: أمور تحدث للنائم. وأخبار يراها في منامه. وأمور يقصها ويحدث بها غيره.

والله أعلم.

المراجع

تفسير القرآن

المصدر: 

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android