الخلاصة
هذا حديث (لا أصل له) في كتب الرواية، فليس له إسناد يُعرف، وعلامات الكذب بادية عليه، فتحرم روايته أو نشره إلا لبيان حاله.
ما صحة حديث "لما خلق الله جبريل بعد إسرافيل بخمسمائة عام ..." ؟
الخلاصة
هذا حديث (لا أصل له) في كتب الرواية، فليس له إسناد يُعرف، وعلامات الكذب بادية عليه، فتحرم روايته أو نشره إلا لبيان حاله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالظاهر أن الحديث المسئول عنه هو الكذب المنتشر بأخرةٍ، وهو كذب مختلَقٌ، وإفك مصنوع، ليس له إسنادٌ يُعرَف، وربما نُسِب إلى مجهول لا يعرف كذلك من هو، ولفظه:
"لما خلق الله تعالى جبريل عليه السلام بعد إسرافيل عليه السلام بخمسمائة عام؛ خلقه في أحسن صورة وأجمل هيئة، فنظر جبريل عليه السلام إلى صورته وقال: يا رب هل خلقت أحدًا أجمل مني؟ فقال الله تعالى: لا ما خلقته. فوقف جبريل يصلي، فصلى ركعتين استغرق إتمامهما مائة وعشرين ألف سنة، فلما فرغ من صلاته قال: يا ربي منذ خلقت السماوات والأرض هل عبدك أحد مثل عبادتي هذه؟ فقال الله تعالى: يا جبريل لقد أحسنت العبادة ولم يعبدني أحد بمثل عبادتك هذه، ولكن سيكون في آخر الزمان عبد من أمة حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين في بضع دقائق مليئتين بالنقص والتقصير وبالخطأ والسهو وبشتى الخواطر!! ومع ذلك فإن ركعتيه هاتين تكونان عندي أحب وأعظم قبولا من صلاتك التي استغرقت فيها مائة وعشرين ألف سنة. فقال جبريل عليه السلام: يا ربي ولم كانت صلاتهم بهذه المنزلة العظيمة؟ فقال الله تعالى: لأنهم ضعفاء محتاجون إلى رحمتي، ستكون لهم هموم الدنيا، ومشاق المعيشة، والأمراض والآلام، ومع ذلك يعبدونني وهم يجاهدون أنفسهم ويقاومون الشيطان، ويصبرون على عداوة الأعداء، يأتونني بعد صراع مع شهواتهم وبعد مجاهدة لهوى النفس، غير مغترين بوساوس الشيطان، فيقولون: الله أكبر، أما أنت فلا عدو لك، ولا نفسا تنازعك، ولا دنيا تشغلك" انتهى.
وهذا الحديث (لا أصل له)، ومعنى أنه لا أصل له هو أنه "ليس له إسنادٌ"، كما في "تدريب الراوي" (1/ 350).
وكذلك فإن في لفظه ومعناه من الركاكة والسماجة ما يوجب أن تمجه أسماع طلبة العلم وقلوبهم، وركاكة المعنى من علامات الوضع، لا سيما مع عدم الإسناد.
قال ابن القيم رحمه الله في "المنار المنيف في الصحيح والضعيف" (ص 61) وهو يعدُّ علامات معرفة الموضوع والمكذوب من الحديث:
"ومنها: أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء، فضلًا عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو وحي يوحى، كما قال الله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، أي: وما نُطْقُه إلا وحي يوحى، فيكون الحديث مما لا يشبه الوحي، بل لا يشبه كلام الصحابة"، انتهى.
وقال رحمه الله في (ص 99) في أمارات الموضوع أيضًا:
"ركاكة ألفاظ الحديث وسماجتها، بحيث يمجُّها السمع، ويدفعها الطبع، ويسمج معناها للفطن"، انتهى.
فهذا الحديث مثال صالح لهذا النوع من حيث لفظه ومعناه.
وقال النووي في "التقريب":
"الموضوع: هو المختلق المصنوع، وهو شر الضعيف، وتحرم روايته مع العلم به في أي معنى كان إلا مبيَّنا، ويعرف الوضع بإقرار واضعه، أو معنى إقراره، أو قرينة في الراوي أو المروي، فقد وضعت أحاديث يشهد بوضعها ركاكة لفظها ومعانيها".
وذكر السيوطي في شرحه "تدريب الراوي" (1/ 325) في شرح أن ركاكة المعنى قرينةً على الوضع:
"قال الربيع بن خثيم: إن للحديث ضوءًا كضوء النهار تعرفه، وظلمةً كظلمة الليل تنكره.
وقال ابن الجوزي: الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم، وينفر منه قلبه في الغالب.
قال البلقيني: وشاهد هذا أن إنسانا لو خدم إنسانًا سنين، وعرف ما يحب وما يكره، فادعى إنسان أنه كان يكره شيئًا، يعلم ذلك أنه يحبه، فبمجرد سماعه يبادر إلى تكذيبه.
وقال شيخ الإسلام: المدار في الركة على ركة المعنى، فحيثما وجدت دلَّ على الوضع، وإن لم ينضم إليه ركة اللفظ؛ لأن هذا الدين كله محاسن، والركة ترجع إلى الرداءة"، انتهى.
وورد في فتاوي اللجنة الدائمة (4/ 476) سؤالٌ عن صحة حديثين، شطرُ أحدهما بنحوٍ من الحديث المسئول عنه، وهو ما قال السائل إنه:
"رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لما خلق الله تعالى جبرائيل عليه السلام على أحسن صورة وجعل له ستمائة جناح، طول كل جناح ما بين المشرق والمغرب؛ نظر إلى نفسه فقال – أي: جبريل -: إلهي هل خلقتَ أحسن صورةً مني؟ فقال الله تعالى: لا، فقام جبرائيل وصلى ركعتين شكرا لله تعالى، فقام في كل ركعة عشرين ألف سنة، فلما فرغ من الصلاة قال الله تعالى: يا جبرائيل، عبدتني حق عبادتي، ولا يعبدني أحد مثل عبادتك، لكن يجيء في آخر الزمان نبي كريم حبيب إلي يقال له: محمد، وله أمة ضعيفة مذنبة، يصلون ركعتين مع سهو ونقصان، في ساعة يسيرة، وأفكار كثيرة، وذنوب كبيرة، فوعزتي وجلالي إن صلاتهم أحب إلي من صلاتك؛ لأن صلاتهم بأمري، وأنت صليت بغير أمري، قال جبرائيل: يا رب ما أعطيتهم في مقابلة عبادتهم؟ فقال الله تعالى: أعطيتهم جنة المأوى. فاستأذن من الله تعالى أن يراها، فأذن الله تعالى له، فأتى جبرائيل وفتح جميع أجنحته ثم طار، فكلما فتح جناحين قطع مسيرة ثلاثة آلاف سنة، وكلما ضم قطع مثل ذلك، فطار على هذا ثلاثمائة عام، فعجز ونزل في ظل شجرة وسجد لله تعالى، فقال في سجوده: إلهي هل بلغت نصفها أو ثلثها أو ربعها؟ فقال الله تعالى: يا جبرائيل، لو طرت ثلاثمائة ألف عام، ولو أعطيتك قوة مثل قوتك وأجنحة مثل أجنحتك فطرت مثل ما طرت؛ لا تصل إلى عشر من أعشار ما أعطيته لأمة محمد في مقابلة ركعتين من صلاتهم" انتهى.
فأجابوا قائلين:
"كِلا الحديثين (لا أصل له)، بل هما من الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم".
ووقَّع على الجواب من أهل العلم المشايخ: عبد الله بن قعود، وعبد الله بن غديان، وعبد الرزاق عفيفي، وعبد العزيز بن عبد الله بن باز.
والحاصل:
أن الحديث المسئول عنه ليس له إسناد، ومخايل الوضع والكذب لائحة عليه، وفي لفظه ومعناه من الركاكة ما يؤيد ذلك.
وبناء عليه: فتحرم روايته أو ذكره إلا مع بيان حاله، كما سبق نقله عن أهل العلم.
والله أعلم.
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟