تخصيص الملائكة في الحديث بملائكة الرحمة إنما فهمه شراح الحديث من مجموع النصوص في شأن الملائكة، وليس لفظًا واردًا عن النبي ﷺ.
ما المقصود بالملائكة في حديث «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة»؟
السؤال 556658
في الأحاديث التي وردت فيها عبارة : (لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ)، مثل الحديث في صحيح البخاري ومسلم، لم يُذكر لفظ “ملائكة الرحمة” تحديدًا، بل ورد الحديث بلفظ عام “الملائكة”، إلا أن كثيرًا من العلماء يفسرون ذلك بأن المقصود هم ملائكة الرحمة فقط، فما الدليل أو الأساس الذي اعتمد عليه العلماء لتخصيص الحديث بملائكة الرحمة؟ وهل يجوز فهم الحديث على ظاهره، أي أنه يشمل جميع أنواع الملائكة دون تخصيص؟ وهل يمكن اعتبار تخصيص ذلك بملائكة الرحمة زيادة غير صحيحة أو منكرة بحجة عدم ورودها بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم أو في القرآن الكريم؟ أرجو الإفادة والتوضيح، جزاكم الله خيرًا.
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً:
الحديث عامّ في لفظه: (لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ)، رواه البخاريّ (3227)، ومسلمٌ (٢١٠٦). ولم يرد في شيء من ألفاظه المرفوعة المعتبرة تقييدُه بملائكة الرحمة.
ولفظ الملائكة عامّ يشمل جميع الملائكة في الأصل، فهو اسم جمع معرّف باللام.
لكن هذا العموم قد خُصِّص بدليلٍ آخر على أن بعض الملائكة لا يُفارق العبد، وهم:
الكتبة الحفظة: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ، والنصوص على لزومهم للإنسان مطلقًا.
ملَك الموت وأعوانه: دلّت النصوص على أنه يأتي حيث كان الإنسان. أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ النساء/ 78.
إذن من أين جاء تقييدها بـملائكة الرحمة؟
اعتمد العلماء في التقييد على الاستقراء وسائر النصوص، لا على لفظٍ مرفوع مخصوص:
ذكر العلماء أن الملائكة الموكَّلين بالعبد (الحفظة، والكتبة، وملك الموت) لا يُفارقونه ولو مع وجود الكلب والصورة؛ لأن وظائفهم تتعلّق بكتابة الأعمال وحفظ العبد وقبض روحه حيثما كان، في المسجد والبيت وفي حال المعصية وغيرها.
قال الخطابي رحمه الله : "قوله (لا تدخل الملائكة بيتًا) يريد الملائكة الذين ينزلون بالبركة والرحمة دون الملائكة الذين هم الحفظة؛ فإنهم لا يفارقون الجُنُب وغير الجُنُب" انتهى من "معالم السنن" (1/75).
وقال النووي رحمه الله : "وأما هؤلاء الملائكة الذين لا يدخلون بيتاً فيه كلب أو صورة: فهم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار. وأما الحفظة فيدخلون في كل بيت، ولا يفارقون بني آدم في كل حال؛ لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم وكتابتها" انتهى من "شرحه على مسلم" (14/84).
وقال في "تحفة الأحوذي" (8/72) :
"قَوْلُهُ : (لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ) أَيْ : مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، لَا الْحَفَظَةُ، وَمَلَائِكَةُ الْمَوْتِ " انتهى .
وقال ابن الأثير رحمه الله :
"أراد الملائكةَ السَّيَّاحِينَ غيرَ الحفَظَة والحاضِرِينَ عند الموتِ" انتهى، من "النهاية" (4/789) .
وفي "شرح المشكاة" للطيبي رحمه الله (3/820):
" الشارحون: المراد بـ (الملائكة) الملائكة النازلون بالبركة والرحمة، الذين يطوفون على العباد للزيارة واستماع الذكر، دون الكتبة؛ فإنهم لا يفارقون المكلفين طرفة عين، في أحوالهم السيئة والحسنة؛ لقوله تعالي: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق/ 18] ، وقوله عليه الصلاة والسلام: (فإن معكم من لا يفارقكم، فاتقوا الله واستحيوا منهم)" انتهى.
وسئل الشيخ ابن باز في فتاوى الدروس:
"معنى لا تدخل في حديث "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تصاوير"؟
فأجاب: "ملائكة الخير والرحمة، وإلا فالملك الملازم مع العبد لا يُفارقه، من غير الحفظة" انتهى.
انظر: إجابة السؤال رقم: (139953).
ثانياً:
تقييد الملائكة الذين يدخلون بيتا فيه صورة ولا كلب، بـ"ملائكة الرحمة": لم يرد في رواية بعينها؛ وإنما توارد العلماء عليه، نظرا منهم إلى مجموع موارد النصوص، وما دلت عليه من أن للملائكة وظائف أمرهم الله بها، وأعمالا لا يتخلفون عنها.
فمن ذلك: كتابة أعمال العباد؛ ومن ضرورة ذلك: ألا يفارقه الملك الموكل بكتابة العمل؛ لأنه كالشهيد عليه بكتابته.
ومن ذلك: قبض الأرواح، ومن ضرورة ذلك أن يكون عنده، سواء كان طائعا أو عاصيا.
قال د. عمر الأشقر في "عالم الملائكة الأبرار" (ص: 81):
"فكل حركة في العالم فهي ناشئة عن الملائكة، كما قال تعالى: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أمراً) النازعات/5" انتهى.
وهذا كله واضح، بحمد الله.
فإذا انضاف إلى ذلك أن عدم دخول البيت المذكور: إنما كان على وجه العقوبة، والإهانة لصاحبه؛ فهم من مجموع تلك الموارد أن الملائكة الذين لا يدخلون على صاحب هذا البيت، إنما هم الذين يدخلون عليه دخول رحمة وكرامة. وهذا هو ما قصده العلماء بما نقلناه عنهم آنفا.
والحاصل :
أن (ملائكة الرحمة) ليست لفظة نبوية، ولا يجوز نسبتها كرواية إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما فهمها الشراح من مجموع النصوص في شأن الملائكة.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟