أولاً:
إذا كان عمك قد نذر: إن شفاك الله، أن يُعمِرك هو؛ بمعنى: أن يتحمل نفقة العمرة، وتذهب أنت لتؤديها؛ فهذا نذر صحيح، منعقد.
فإذا كان عمك قد مات قبل الوفاء بهذا النذر، فهذا له حالتان:
الحال الأولى: أن يكون شفاؤك قد حصل بعد موته؛ فليس عليه ولا عليك شيء.
أما أنه ليس عليك؛ فلأنك لم تنذر، فلا يلزمك شيء بنذر غيرك.
وأما هو، فإن نذره قد انحل بموته، كما لو حلف على شيء؛ فإن اليمين ينحل بالموت، أيضا.
ولا يلزم ورثته أيضا أن يخرجوا عنه شيئا لنذره هذا؛ لأنه لما مات لم تكن ذمته مشغولة بشيء يؤدى عنه بعد وفاته.
جاء في المدونة (1/ 297)، عن الإمام مالك رحمه الله:
«قلت: أرأيتَ لو أن مريضا لا يستطيع الصيام، أوجب على نفسه اعتكافا أيامًا، فمات قبل أن يصح، أيُطعَم عنه أم لا؟ وقد أوصى فقال: أطعموا عني عن اعتكافي الذي نذرت، إن كان قد لزمني؟
فقال: لا شيء عليه، ولا يطعم عنه شيء؛ لأنه لم يجب عليه شيء».
وقال ابن مفلح، رحمه الله في الفروع (5/ 78):
«فأما إن نذر صوم شهر بعينه، فمات قبل دخوله: لم يُصَم، ولم يُقض عنه.
قال صاحب المحرر: وهو مذهب سائر الأئمة، ولا أعلم فيه خلافا،».
الحال الثانية: أن يكون شفاؤك قد حصل قبل موته، وتحقق الشرط الذي علق عليه نذره؛ فيكون قد مات وذمته مشغولة بالنذر الذي نذره.
فهنا يلزم الورثة أن يخرجوا نذره الذي نذر، ويتكفلوا بعمرتك من ماله، إن كان له مال.
قال البهوتي رحمه الله:
"ويجب أن يسارع في قضاء دينه، وما فيه إبراء ذمته، من إخراج كفَّارة، وحج، ونذر، وغير ذلك)، كزكاة، وردِّ أمانة، وغصب، وعارية؛ لما روى الشافعي، وأحمد، والترمذي وحسّنه، عن أبي هريرة مرفوعًا: "نفسٌ المؤمنِ معلقةٌ بدَيْنهِ، حتى يقضى عنهُ" انتهى من «كشاف القناع" (4/ 40).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
"ويجب الإسراع في قضاء دينه، أي دين الميت، سواء كان هذا الدين لله، أو للآدمي. فالدين لله مثل: الزكاة، والكفارة، والنذر، وما أشبه ذلك" انتهى من "الشرح الممتع على زاد المستقنع" (5/ 261).
وقال السرخسي رحمه الله:
«وإن قال: إن فعلت كذا، فأنا أحج بفلان، فحنث:
فإن كان نوى: فأنا أحج وهو معنا، فعليه أن يحج، وليس عليه أن يحج به.
وإن نوى أن يحججه، فعليه أن يحججه كما نوى؛ لأن الباء للإلصاق، فقد ألصق فلانا بحجه.
وهذا يحتمل معنيين: أن يحج فلان معه في الطريق. وأن يعطي فلانا ما يحج به بالمال.
والتزام الأول بالنذر غير صحيح.
والتزام الثاني: صحيح؛ لأنّ الحج يؤدى بالمال، عند اليأس عن الأداء بالبدن، فكان هذا في حكم البدل، وحكم البدل حكم الأصل، فيصح التزامه بالبدل كما يصح التزامه بالأصل.
فإن نوى الوجه الأول عملت نيته لاحتمال كلامه، ولكن المنوي لا يصح التزامه بالنذر فلا يلزمه به شيء، وإنما عليه أن يحج بنفسه فقط.
وإن نوى الثاني فقد نوى ما يصح التزامه بالنذر، فيلزمه ذلك.
وإذا لزمه ذلك فإما أن يعطيه من المال ما يحج به، أو يحج به مع نفسه ليحصل به الوفاء بالنذر" انتهى من "المبسوط للسرخسي" (4/ 133).
فإن لم يكن له مال، وتبرعوا، أو تبرع بعضهم بنفقة عمرك: فهو خير، وتبرأ ذمته به، إن شاء الله.
قال النووي رحمه الله:
"واعلم أن مذهبنا ومذهب الجمهور أن الوارث لا يلزمه قضاء النذر الواجب على الميت، إذا كان غير مالي. ولا إذا كان ماليا ولم يخلف تركة.
لكن يستحب له ذلك" انتهى من "شرح النووي على مسلم" (11/ 97).
فعن ابن عباس أنه قال: "استفتى سعد بن عبادة الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم في نذر كان على أمه، توفيت قبل أن تقضيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقضه عنها) رواه البخاري (6558).
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه مرسلا عن ابن سيرين قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا نبي الله، إن أبي نذر، إن رأى ابنا له بلغ الحلب، أن يحج، ويحج به.
فقال لبعض ولده يوما: قم فاحلب هذه الناقة. فحلبها، ثم مات، ولم يحج به؟
قال: "فاحجج بأخيك عن أبيك". رواه ابن أبي شيبة في المصنف (9681).
والحاصل:
أنه ينذر؛ إن كان عمك قد نذر أن يتكفل بنفقة عمرة، وشفيت قبل موته؛ فيلزم الورثة أن يخرجوا من ماله ما يكفي لعمرتك.
وإن لم يكن له مال، فتبرع بعضهم بذلك، أو اعتمرت أنت من نفقة نفسك، ونويت النفقة عنه: أجزأ ذلك عنه، وكان خيرا.
وأما إن كان مراده بأصل النذر: أنك إن شفيت، تعتمر أنت من مالك، ولم يلتزم هو بشيء، وقد مات؛ فالأمر ظاهر، ولا يلزمه هو ولا ورثته شيء، ولا يلزمك أنت أيضا أن تعتمر، وفاء لهذا النذر، فهو لغو، غير منعقد أصلا.
والله أعلم.