الثلاثاء 25 ربيع الآخر 1443 - 30 نوفمبر 2021
العربية

اتهام الرافضة للبخاري بعدم الأمانة في إخراج الأحاديث

344587

تاريخ النشر : 01-03-2021

المشاهدات : 1712

السؤال

من الروافض من يقول: إن البخاري رحمه الله مدلس، ويقوم بمسح أو وضع بعض العبارات، مثل: بياض هنا، نسيت، كذا و كذا. أمثلة: روى عن ابن عباس في "البخاري" و"كتب السنن": " لما حُضِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي: (هلم أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده). فقال عمر: إن النبي قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا. منهم من يقول: قربوا يكتب النبي كتابًا لا تضلوا بعده. ومنهم من يقول ما قاله عمر، فلما أكثروا اللغو والإختلاف عند النبي، قال لهم الرسول: (قوموا) فكان ابن عباس يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من إختلافهم ولغطهم. وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: (دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه)، وأوصى عند موته بثلاث: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم)، قال الراوي: ونسيت الثالثة. هم هنا يقولون أن النبي أمر بالولاية لعلي وما إلى ذلك. والرواية الثانية رواية فلان أمر بالمعروف ولا يعمل به، وفي الروايات الأخرى هو عثمان، من كتبنا حسب قوله. والرواية الثالثة رواية وضوء علي بن أبي طالب، كيف ينقلها البخاري وعندما يصل إلى وذكر رأسه ورجليه، يا ترى ما معنى وذكر رأسه ورجليه؟ ويستدلون بأحاديث أخرى أنه كان يمسح ولا يغسل، ولكن البخاري رحمه الله كان يغير الكلام تعصبا لعقيدته. الكلام يطول، ولكن في المجمل يستدلون بروايات كالمذكورة سابقا. 

ملخص الجواب

كلام الرافضة عن الإمام البخاري واتهامه بعدم الأمانة في إخراج الأحاديث مما لا يلتفت إليه، فهم فرقة لا علم عندهم بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم وآثاره، وهم أبعد الناس عن علم الحديث، وأصوله، وأقدار أهل العلم في ذلك الباب. وما يتناقلونه إنما هي مجرد شبهات، وتحريف للكلم عن مواضعه. 

الحمد لله.

كلام هؤلاء الرافضة مما لا يلتفت إليه، فهم فرقة لا علم عندهم بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم وآثاره، وهم أبعد الناس عن علم الحديث، وأصوله، وأقدار أهل العلم في ذلك الباب.  وما يتناقلونه إنما هي مجرد شبهات، وتحريف للكلم عن مواضعه. 

ونحن نقول هنا: 

أولا:

مكانة صحيح البخاري

صحيح البخاري وإن كان مؤلفه رجلا واحدا وهو الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، إلا أن مكانة كتابه "الصحيح" المعروفة اليوم بين المسلمين إنما اكتسبت بسبب شهادة كل علماء الأمة له بصحة مصنفه، فقد تتابع أئمة الحديث على مدار مئات السنين على دراسته حديثا حديثا فوافقوه في صحة جمهور ما أخرجه في جامعه الصحيح، وعلى شدة تثبته وسعة علمه وأمانته.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

" قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح...

وقال أبو جعفر محمود بن عمرو العقيلي: لما ألف البخاري كتاب الصحيح عرضه على أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلى بن المديني وغيرهم، فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة؛ إلا في أربعة أحاديث، قال العقيلي والقول فيها قول البخاري وهي صحيحة..." انتهى من"هدي الساري مقدمة فتح الباري" (7).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

"ولكن جمهور متون الصحيحين متفق عليها بين أئمة الحديث، تلقوها بالقبول، وأجمعوا عليها، وهم يعلمون علما قطعيا أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها." انتهى من "مجموع الفتاوى" (1/ 257).

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:

"وأهل الحديث متفقون على أحاديث الصحيحين، وإن تنازعوا في أحاديث يسيرة منها جدا وهم متفقون على لفظها ومعناها، كما اتفق المسلمون على لفظ القرآن ومعناه." انتهى من "الصواعق المرسلة" (2/655).

فالحكم على صحة أحاديث "صحيح البخاري" هو حكم هذه الأمة المسلمة، وليس مجرد حكم الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى.

ثانيا:

الرافضة من أجهل الناس بالحديث وعلومه

شبهات الرافضة هذه هي في نفسها دليل على ضلال الشيعة وجهلهم بالحديث وعلومه.

فهؤلاء الرافضة من أجهل الناس بالحديث وعلومه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

"وأما الحديث فهم – أي الشيعة الرافضة - من أبعد الناس عن معرفته: لا إسناده ولا متنه، ولا يعرفون الرسول وأحواله، ولهذا إذا نقلوا شيئا من الحديث كانوا من أجهل الناس به، وأي كتاب وجدوا فيه ما يوافق هواهم نقلوه، من غير معرفة بالحديث..." انتهى من"منهاج السنة" (6 / 379 – 380).

والأمثلة التي ذكرتها في السؤال من أوضح الأدلة على جهلهم.

فالحديث الأول:

رواه البخاري (3053)، قال: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ قَالَ: " يَوْمُ الخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟ ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الحَصْبَاءَ، فَقَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ يَوْمَ الخَمِيسِ، فَقَالَ : ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا.

فَتَنَازَعُوا، وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ، فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ، وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلاَثٍ: أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ  وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ.

القائل: (وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ) ليس هو الإمام البخاري، بل أحد رجال إسناد هذا الحديث، ويتبيّن هذا بالرواية الأخرى عند البخاري (4431)، قال: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ، فَقَالَ:  ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا  ، فَتَنَازَعُوا، وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ نزاع، فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ؟ أَهَجَرَ، اسْتَفْهِمُوهُ؟ فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ:  دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ  ، وَأَوْصَاهُمْ بِثَلاَثٍ، قَالَ :  أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ  وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أَوْ قَالَ: فَنَسِيتُهَا".

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"قوله: (وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَ فَنَسِيتُهَا)، يحتمل أن يكون القائل ذلك هو سعيد بن جبير، ثم وجدت عند الإسماعيلي التصريح بأن قائل ذلك هو ابن عيينة. وفي "مسند الحميدي" ومن طريقه أبو نعيم في "المستخرج": قال سفيان: قال سليمان أي ابن أبي مسلم: لا أدري أذكر سعيد بن جبير الثالثة فنسيتها أو سكت عنها. وهذا هو الأرجح.

قال الداودي: الثالثة: الوصية بالقرآن، وبه جزم ابن التين.

وقال المهلب: بل هو تجهيز جيش أسامة، وقواه ابن بطال بأن الصحابة لما اختلفوا على أبي بكر في تنفيذ جيش أسامة قال لهم أبو بكر: أن النبي صلى الله عليه وسلم عهد بذلك عند موته. وقال عياض: يحتمل أن تكون هي قوله: (ولا تتخذوا قبري وثنا)، فإنها ثبتت في "الموطأ" مقرونة بالأمر بإخراج اليهود، ويحتمل أن يكون ما وقع في حديث أنس أنها قوله: (الصلاة وما ملكت أيمانكم)." انتهى من "فتح الباري" (8 / 135).

والحديث الثاني:

روى البخاري (5616)، قال: حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ، سَمِعْتُ النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ فِي رَحَبَةِ الكُوفَةِ، حَتَّى حَضَرَتْ صَلاَةُ العَصْرِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمَاءٍ، فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قِيَامًا، وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ".

وأهل العلم يرون أن عبارة (وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ) هي من تعبير آدم شيخ البخاري.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"قوله: (فشرب وغسل وجهه ويديه، وذكر رأسه ورجليه)، كذا هنا وفي رواية بهز: (فأخذ منه كفا، فمسح وجهه وذراعيه ورأسه ورجليه)، وكذلك عند الطيالسي: (فغسل وجهه ويديه ومسح على رأسه ورجليه)، ومثله في رواية عمرو بن مرزوق عند الإسماعيلي.

ويؤخذ منه أنه في الأصل: (ومسح على رأسه ورجليه)، وأن آدم توقف في سياقه، فعبر بقوله: (وذكر رأسه ورجليه)، ووقع في رواية الأعمش: (فغسل يديه ومضمض واستنشق ومسح بوجهه وذراعيه ورأسه) وفي رواية علي بن الجعد عن شعبة عند الإسماعيلي: (فمسح بوجهه ورأسه ورجليه)..." انتهى من "فتح الباري" (10 / 82).

ثم هذا الخبر فيمن كان على وضوء، وإنما يريد أن يجدد وضوء فقط.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"وقد ثبت في آخر الحديث قول علي: (هذا وضوء من لم يحدث)" انتهى من "فتح الباري" (10 / 82).

ثم إذا قدر أن هذا اختيار علي، رضي الله عنه في ذلك؛ فغايته أن يكون فعلا لصحابي، ولا يمكن أن ترد أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الوضوء بعمل صحابي واحد.

وراجع للأهمية جواب السؤال رقم : (316320).

والحديث الثالث:

رواه البخاري (3267)، قال: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: "قِيلَ لِأُسَامَةَ لَوْ أَتَيْتَ فُلاَنًا فَكَلَّمْتَهُ، قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لاَ أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ، إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لاَ أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ، وَلاَ أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ، بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ: قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ:  يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلاَنُ مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ المُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ  .

ورواه البخاري (7098)، قال: حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، قَالَ: "قِيلَ لِأُسَامَةَ: أَلاَ تُكَلِّمُ هَذَا؟..." وذكر الخبر.

ورواية الإمام مسلم بينت أن عبارة: "لَوْ أَتَيْتَ فُلاَنًا فَكَلَّمْتَهُ"، وعبارة "أَلاَ تُكَلِّمُ هَذَا؟" المقصود بها عثمان رضي الله عنه.

فرواه مسلم (2989) من حديث أَبي مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ: "عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ؟..." وذكر الحديث.

وكذا من حديث جَرِير، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ فِيمَا يَصْنَعُ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ.

وابهام اسم عثمان رضي الله عنه عند البخاري ليس من عمل البخاري، وإنما هو أدى ما سمع، والظاهر أنه من الراوي سليمان الأعمش، وأنه أحيانا كان يبهم الاسم وأحيانا يذكره، ويدل على هذا أنه ورد عند الإمام أحمد في "المسند" (36 / 132) بالإبهام، حيث قال: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالُوا لَهُ: أَلَا تَدْخُلُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ فَتُكَلِّمُهُ؟... " فذكر الخبر.

ورواه الإمام أحمد (36 / 145) بنفس إسناد البخاري الثاني وبنفس لفظه، حيث قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، قَالَ: "قِيلَ لِأُسَامَةَ: أَلَا تُكَلِّمُ هَذَا؟..." وساق الخبر.

وإبهامه لا يغير من معنى الخبر شيئا، ولو أراد البخاري أن يكتم شيئا لكتم الحديث كله ولم يذكره؛ فما الذي يجبره على أن يروي الحديث في كتابه، من أصله، إذا كان فيه ما يزعجه أن يذكر أو يروى؟!

ومناقب عثمان والشهادة له بالجنة مشهورة في أخبار ثابتة محكمة لا يشكك فيها بمجرد فهم خاطئ لنص من النصوص.

فهؤلاء الشيعة مع جهلهم بالحديث، فإنهم يتعمدون ترك الدلائل الواضحة الصحيحة من الكتاب والسنة فيردونها، ويتمسكون بنصوص مشتبهة فيفسرونها على ما تهوى أنفسهم، فيصدق فيهم قول الله تعالى:(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) آل عمران (7).

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: " تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ:  هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ، مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ... قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ  رواه البخاري (4547).

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

" وأما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث كالشافعي والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والبخاري وإسحاق، وهي أنهم يردُّون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يُفسِّر لهم المتشابه ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضُها بعضًا، ويصدُّق بعضُها بعضًا، فإنَّها كلها من عند اللَّه، وما كان من عند اللَّه فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره." انتهى من "إعلام الموقعين" (4 / 58).

وينظر للفائدة: كتاب "الجناية على البخاري" 

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب