متى يكون عدم وجود الدليل حجة؟

السؤال 286873

متى يكون عدم وجود الدليل حجة؟
كمثال في مسألة المسح على الجوربين، بعض العلماء رحمهم الله تعالى يستدلون بعدم وجود الدليل على تخصيص المسح على الخفين دون الجوربين، ويقولون: إن الأحاديث التي نطق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخفين قليلة، منها الذي في "سنن أبي داود" قول النبي صلى الله عليه وسلم: (المسح على الخفين، للمسافر ثلاثة أيام...)، وجل الأدلة الأخرى قول الصحابي رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على خفيه، أو نحو من هذا الكلام، وإنما أورد هذا السؤال لأنه أشكل عندي في كثير من المسائل عدم وجود دليل واضح، فقد يقول القائل: إن حلق اللحية ليس بحرام؛ لعدم وجود دليل نهي، وإنما هو أمر وقد يحمل على الاستحباب، ويقول: إن ابن عمر راوي حديث الأمر بالإعفاء نفسه أخذ من لحيته، فهو أعلم بمقصود النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يقول القائل أيضا: إن الإستمناء ليس فيه دليل صريح، والآية (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) التي استدل بها العلماء قد تحمل على الزنا؛ لقول الله تعالى ( ذلك لمن خشي العنت منكم)، ولم يذكر خشية فعل الاستمناء مثلا، ويقول أيضا: إن هذا مما سكت عنه الشارع، ويدخل في قول الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لاتسألوا عن أشياء إن تبد لكم..) الآية، وأكرر إنما أورد هذه الإشكالات وليس لدي شك في إجماع المسلمين على حرمة الأفعال المذكورة، الاستمناء، وحلق اللحية، ولكن هذه أمثلة توضح لكم مقصدي من السؤال.
والسؤال: متى يكون عدم وجود الدليل حجة، يحل لي مشاكل كثيرة في تحرير المسائل؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

عدم الدليل يكون حجة في حال التمسك بالبراءة الأصلية أو باستصحاب العدم.

ومثاله: لو قال قائل ما الدليل على إباحة شرب عصير المانجو؟ فيقال: الدليل هو عدم الدليل، وهو التمسك بالبراءة الأصلية أو الإباحة العقلية، حتى يرد الدليل الناقل عن ذلك، وحيث لم يوجد هذا الدليل الناقل فيباح شرب هذا العصير.

وكذا لو قيل: ما الدليل على إباحة حلق شعر الصدر؟ فيقال: عدم الدليل الموجب لإبقائه أو الناهي عن أخذه.

أو قيل: ما الدليل على عدم وجوب صلاة سادسة؟ فيقال: الدليل هو عدم الدليل، أي استصحاب البراءة الأصلية والعدم الأصلي.

قال العلامة الأمين الشنقيطي رحمه الله: "الأصل الرابع الاستصحاب. استصحاب الحال ودليل العقل.

اعلم أن الاستصحاب ثلاثة أقسام، اثنان مقبولان عند الجمهور، وواحد مردود عندهم.

1- استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل ناقل عنه, لأن العقل يدل على براءة الذمة حتى يقوم الدليل كعدم وجوب صيام صفر مثلا؛ لان الأصل براءة الذمة منه , فيستصحب الحال في ذلك، وهذا النوع هو الذي ينصرف إليه اسم الاستصحاب، وهو المعروف بالبراءة الأصلية والإباحة العقلية. وهذا النوع قد دل القرآن على اعتباره في آيات كثيرة كقوله تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ...) الآية.

وقوله: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى بين لهم ما يتقون) ووجه الدلالة في الآية الأولى أنه لما نزل تحريم الربا خافوا من الأموال المكتسبة من الربا قبل التحريم، فبينت الآية [أن] ما اكتسبوا من الربا قبل التحريم على البراءة الأصلية حلال لهم ولا حرج عليهم فيه. ووجه دلالة الآية الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما استغفر لعمه أبي طالب واستغفر المسلمون لموتاهم من المشركين وأنزل الله: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) ندموا على استغفارهم للمشركين، بينت الآية أن استغفارهم لهم قبل التحريم على البراءة الأصلية لا إثم عليهم فيه ولا حرج، حتى بين لهم الله ما يتقونه، كالاستغفار لهم مثلا.

2- استصحاب دليل الشرع: كاستصحاب النص حتى يرد الناسخ , والعموم حتى يرد المخصص, ودوام الملك حتى يثبت انتقاله، ودوام شغل الذمة الثابت حتى تثبت براءتها، ونحو ذلك.

3- وهو المردود عند الجمهور هو استصحاب حال الإجماع في محل النزاع..." انتهى من "مذكرة في أصول الفقه" ص190.

وقال نجم الدين الطوفي، رحمه الله: " قوله: " فإن قيل: هذا تمسك بعدم العلم بالناقل " إلى آخره.

هذا سؤال على صحة التمسك بالاستصحاب.

وتقريره: أن التمسك بالاستصحاب إنما يصح مع ‌عدم ‌الدليل الناقل عنه، إذ لو وجد الدليل الناقل عنه، لما كان حجة.

وحينئذ يبقى التمسك بالاستصحاب، تمسكا بعدم الدليل الناقل عنه، إذ معنى قولنا: الأصل بقاء هذا الحكم على النفي، أنا لا نعلم وجود دليل ناقل له عن النفي إلى الإثبات.

وإذا تلخص أن التمسك بالاستصحاب تمسك بعدم الدليل الناقل، فالتمسك بالعدم " تمسك بالجهل " بالدليل، والجهل لا يصلح أن يكون متمسكا على شيء، ولعل الدليل الناقل عن الاستصحاب موجود لم تعلموه، فيكون التمسك بعدم الدليل كالشهادة على النفي؟

قوله: " لأنا نقول " هذا جواب عن السؤال المذكور.

وتقريره: أن " الناس: إما عامي لا يمكنه البحث والاجتهاد " في طلب الدليل "، أو مجتهد " يمكنه ذلك.

فإن كان عاميا، فتمسكه بالاستصحاب مع ‌عدم ‌الدليل الناقل ; هو مما ذكرتم من التمسك بالجهل، فهو لعدم أهليته: كالأعمى يطوف في البيت على متاع، وآلة البصر لا تساعده على إدراكه.

أما المجتهد الذي يمكنه الوقوف على الدليل: فتمسكه، بعد الجد والاجتهاد في طلبه: إنما هو بالعلم بعدم الدليل ، لا بعدم العلم بالدليل. فهو: كبصير اجتهد في طلب المتاع من بيت، لا علة فيه مُخْفِيَةً له؛ أي: للمتاع، أي: ليس في ذلك البيت أمر يستر المتاع، فيخفيه عن طالبه، فيجزم بعدمه عند ذلك. فكذلك المجتهد، إذا بالغ في طلب الدليل، فلم يجده: جزم بعدمه، فإن لم يجزم به، غلب على ظنه، وهو كاف في العمل " لا سيما وقواعد الشرع قد مُهِّدت، وأدلته قد اشتُهِرت وظهرت، وفي الدواوين قد دونت؛ فعند استفراغ الوسع في طلب الدليل ممن هو أهل للنظر والاجتهاد، يعلم أنه لا دليل هناك.

وحينئذ يكون الاستصحاب منه تمسكا بالعلم بعدم الدليل الناقل، لا بعدم العلم به". انتهى، من "شرح مختصر الروضة" (3/153).

وينظر: "المسودة في أصول الفقه" لآل تيمية (488-490).

ثانيا:

إذا عُلم ذلك، فالأصل في الوضوء: غسل القدمين، وأما المسح على الخفين فرخصة.

فيبقى النزاع في المسح على الجوربين، فمن قال: إنه لم يثبت، قال بالبقاء على الأصل، وأنه لابد من غسل القدمين، فالدليل على عدم المسح على الجوربين، هو عدم الدليل الموجب لترك الأصل.

ومن صح عنده دليل المسح على الجوربين، أو كان فعل الصحابي دليلا عنده، أخذ بذلك، وانتقل عن الأصل الذي هو الغسل؛ لوجود الدليل الناقل.

قال ابن القيم رحمه الله: "قال ابن المنذر: روي المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: علي وعمار وأبي مسعود الأنصاري وأنس وابن عمر والبراء وبلال وعبد الله بن أبي أوفى وسهل بن سعد. وزاد أبو داود: وأبو أمامة وعمرو بن حريث وعمر وابن عباس.

فهؤلاء ثلاثة عشر صحابيا، والعمدة في الجواز على هؤلاء رضي الله عنهم، لا على حديث أبي قيس" انتهى من "حاشيته على تهذيب السنن" (1/187) مع عون المعبود.

وحديث أبي قيس: هو ما روى أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي قيس الأودي هو عبد الرحمن بن ثروان، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين، والنعلين ).

والمقصود: أن من نفى المسح على الجوربين، اعتمد على عدم الدليل الصحيح عنده، الذي ينقل عن الأصل وهو غسل القدمين.

 ثالثا:

ما ذكرته بشأن حلق اللحية لا يصح، فإنه لا يشترط لتقرير هذا الحكم وجود نهي عن الحلق، بل يكفي الأمر بالإرخاء والإعفاء؛ فإن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، وقد ثبت الأمر بذلك، فكان دليلا على تحريم الحلق، إضافةً إلى دليل الإجماع.

والأصل في الأمر الوجوب، ولا يحمل على الاستحباب إلا بدليل، وأخذ ابن عمر ما زاد على القبضة لا يدل على الاستحباب إلا فيما زاد عن القبضة، على التسليم بأن فعله حجة.

قال صلى الله عليه وسلم: ( أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى ) رواه البخاري (5554)، ومسلم (259).

وقوله صلى الله عليه وسلم: ( خالفوا المشركين؛ وفروا اللحى وأحفوا الشوارب ) رواه البخاري (5553).

وقوله: ( جُزُّوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس ) رواه مسلم (260).

قال العلامة ابن مفلح رحمه الله: " وذكر ابن حزم الإجماع أن قص الشارب، وإعفاء اللحية: فرض". انتهى من "الفروع" (1/130).

رابعا:

والاستمناء دل الدليل على تحريمه، وهو قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) المؤمنون/5- 6.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " استعمال العادة السرية وهي الاستمناء باليد أو بغيرها ، محرم بدلالة الكتاب والسنة والنظر الصحيح ، أما الكتاب فقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) ومن طلب نيل شهوته بغير زوجته أو مملوكته فقد ابتغى وراء ذلك ويكون عاديا بمقتضى هذه الآية الكريمة.

وأما السنة ففي قوله صلى الله عليه وسلم : ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء )؛ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من لا يستطيع أن يتزوج بالصوم ، ولو كان الاستمناء جائزا لأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إليه ، فلما لم يرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم، مع يسره: عُلم أنه ليس بجائز.

وأما النظر الصحيح: فهو ما يترتب على هذا الفعل من مضار كثيرة، ذكرها أهل الطب؛ بأن فيه مضار تعود على البدن، وعلى الغريزة الجنسية، وعلى الفكر أيضا والتدبير، وربما تُعيقه عن النكاح الحقيقي ؛ لأن الإنسان إذا أشبع رغبته بمثل هذا الأمر، قد لا يلتفت إلى الزواج " انتهى من "فتاوى إسلامية" (4/460).

 ولولا هذه الأدلة لقلنا إنه مسكوت عنه، وإن الأصل الإباحة.

وهذه الأدلة لا يصح قصرها على الزنا، لعدم الدليل على القصر، بل الواجب حفظ الفرج مطلقا، وعدم ابتغاء صرف الشهوة إلا مع الزوجة أو ملك اليمين.

 والحاصل:

أن عدم الدليل يكون حجة إذا كان هناك أصل يبنى عليه، كالإباحة العقلية أو البراءة الأصلية، فإذا لم يوجد دليل ينقل عنها، بقينا على الأصل.

المراجع

أصول الفقه

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android