هل الأقوال المحكية في القرآن تُعد من كلام الله؟

السؤال 650228

نؤمن نحن المسلمين بأن القرآن الكريم هو كلام الله سبحانه وتعالى المنزّل، ولكننا نجد في القرآن الكريم العديد من الجمل والعبارات والكلمات التي صدرت في الأصل عن بشر، وحكاها القرآن عنهم.
وهنا يكمن سؤالي:
إذا كانت هذه العبارات قد قالها بشر في الأصل، فكيف يسوغ لنا أن نقول: إنها كلام الله سبحانه وتعالى؟ ما هو الحد الفاصل الدقيق في هذه المسألة والذي يعسر عليّ فهمه؟
أرجو إرشادي وتوضيح الأمر لي.

ملخص الجواب

القرآن كله كلام الله من جهة الوحي والإنزال، وإن اشتمل على حكاية أقوال مخلوقين، فإن تلك الأقوال تُنسب إلى أصحابها من حيث من قالها أولًا، وتُنسب إلى القرآن من حيث إن الله حكاها وأدخلها في كلامه المنزل، وهذا هو الحد الفاصل الذي يزيل الإشكال.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

يمكن توضيح ذلك من خلال عدة نقاط:

1. قولنا: القرآن كله كلام الله لا ينافي اشتماله على حكاية أقوال البشر؛ لأن الأقوال المحكية في القرآن هي من كلام الله، من حيث اللفظ والنظم القرآني، ومن كلام أصحابها من حيث القول الأصلي.

فإذا قلنا: "القرآن كلام الله"، فإننا نعني أن الألفاظ التي نزل بها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم هي من عند الله، وليست من إنشاء النبي ولا من إنشاء غيره.

2. قد يتضمن كلام الله حكايةً لكلام غيره. فالقرآن ينقل أقوال الأنبياء، والمؤمنين، والكفار، والملائكة، والجن، بل وحتى إبليس. مثل قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ المائدة/73؛ وبديهي أنه لا أحد يفهم من هذا أن الله يقول عن نفسه: (إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ)، بل الله يحكي قول النصارى.

والقرآن إذا حكى عن الخلق، مؤمنهم أو كافرهم، كلاما في كتابه العزيز، فإنه ينقل مضمون ما قاله هذا القائل، ومعنى قوله الذي تكلم به بلسانه، سواء كان لسانا عبرانيا، أو غير ذلك من ألسن القائلين، ثم إن الله إنما تكلم بهذا الكلام في كتابه العزيز، بلسان عربي مبين، وليس بلسان القائل الأول.

قال ابن عاشور، رحمه الله: «القرآن يتصرف في حكاية أقوال المحكي عنهم، فيصوغها على ما يقتضيه أسلوب إعجازه، لا على الصيغة التي صدرت فيها، فهو إذا حكى أقوالا غير عربية صاغ مدلولها في صيغة تبلغ حد الإعجاز بالعربية.

وإذا حكى أقوالا عربية تصرف فيها تصرفا يناسب أسلوب المعبر، مثل ما يحكيه عن العرب فإنه لا يلتزم حكاية ألفاظهم، بل يحكي حاصل كلامهم.

وللعرب في حكاية الأقوال اتساع، مداره على الإحاطة بالمعنى دون التزام الألفاظ.

فالإعجاز الثابت للأقوال المحكية في القرآن: هو إعجاز للقرآن لا للأقوال المحكية». انتهى، تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير (1/ 120).

إذن ما هو كلام الله هنا؟ كلام الله هو الجملة القرآنية كلها، بما فيها أداة الحكاية والسياق الذي أوردها الله فيه. فالله هو الذي قال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ؛ فصار هذا الكلام بحكاية القرآن له، ونقله بلسانه العربي: كلام الله جل جلاله، بجملته، من أوله إلى آخره؛ مع أن عبارة: " إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ" في أصلها هي كلام النصارى الكافرين.

ولا تعارض بين الاعتبارين في النظر إلى الكلام.

جاء في " فتاوى اللجنة الدائمة " (4/6-7) :

" الكلام يطلق على اللفظ والمعنى، ويطلق على كل واحد منهما وحده بقرينة .

وناقله عمن تكلم به من غير تحريف لمعناه ولا تغيير لحروفه ونظمه : مُخبِرٌ مُبَلِّغٌ فقط ، والكلام إنما هو لِمَن بدأه .

أمَّا إن غيَّر حروفه ونظمه مع المحافظة على معناه ، فينسب إليه اللفظ : حروفه ومعناه ، وينسب من جهة معناه إلى من تكلم به ابتداءً .

ومن ذلك ما أخبر الله به عن الأمم الماضية ، كقوله تعالى : ( وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ) غافر/27، وقوله : ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ) غافر/36.

فهاتان تسميان قرآناً ، وتنسبان إلى الله كلاماً له باعتبار حروفهما ونظمهما ؛ لأنهما من الله لا من كلام موسى وفرعون ؛ لأن النظم والحروف ليس منهما .

وتنسبان إلى موسى وفرعون باعتبار المعنى ، فإنه كان واقعاً منهما .

وهذا وذاك قد علمهما الله في الأزل، وأمر بكتابتهما في اللوح المحفوظ ، ثم وقع القول من موسى وفرعون بلغتهما طبق ما كان في اللوح المحفوظ ، ثم تكلم الله بذلك بحروف أخرى ونظم آخر في زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فنسب إلى كلٍّ منهما باعتبار .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن قعود " انتهى.

انظر: إجابة رقم  (140060)، (225975).

فخلاصة المسألة: القرآن كله كلام الله لأن الله جل جلاله تكلم به كله، وأوحاه إلى نبيه، وأنزله على عباده، على هذا النظم، وبهذا اللسان العربي.

وما اشتمل عليه من حكاية لأقوال مخلوقين: فإن تلك الأقوال تُنسب إلى أصحابها من حيث هي كلامهم في الأصل، والكلام ينسب إلى من مقاله مبتدئا به.

وتُنسب إلى القرآن، من حيث إن الله حكاها عن قائلها، وتكلم بتلك الحكاية عن القائل، بلسان القرآن العربي المبين.

قال الشيخ عبد الرحمن البراك:

"وهذه الأقوال المحكيَّة في القرآن تضافُ إلى الله إضافة المخبِر بها، والله تعالى يُخبر بها باللسان العربي الذي أنزل به هذا الكتاب وعلى وفق أسلوبه المعجز، وما في هذه الأقوال التي أخبر الله بها عن أصحابها مِن المعاني والدَّلالات وأساليب البلاغة، هو ممَّا علِمه الله مِن إراداتهم مِن كلامهم، فأخبرَ الله به باللسان الذي نزلَ به القرآن، فهذه الأقوال لا تُنسبُ إلى الله إلا مقيَّدةً بإضافتها إلى مَن قالها مِن الخلق، فهي مِن كلام الله خبرًا وحكاية؛ فيُقال: قالَ الله عن الأبوين عليهما السَّلام: ( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ) [الأعراف:23]، وقال عن نوح عليه السَّلام: ( أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ) [القمر:10]، وقال عن زكريا عليه السَّلام: ( رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ) [آل عمران:38]، وقال عن إبليس: ( فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) [ص:82]، ونظائر ذلك كثير.

فهذه الأقوال المخبَرُ بها في القرآن هي مِن كلام الله خبرًا بها حقيقةً، فهي مِن كلام الله، لفظُها، ومعناها الخبريُّ.

وهي كلام قائليها باعتبار معانيها التي عبَّروا عنها بلغاتهم، فإذا ذُكِر شيء مِن تلك الأقوال بصيغة الحكاية، وهي "قال ويقول"، صحَّت النسبة إلى الله؛ فنقول: قال الله تعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ )، ومعلومٌ أنَّه لا يجوز شرعًا ولا عقلًا أن نقول: قالَ الله تعالى: لن نؤمن بهذا القرآن، إلا أن يضاف إلى الكفار، فنقول: قال الله عن الكفار قولهم: لن نؤمن.

وخلاصةُ القول: إنَّ هذه الأقوال المخبَر بها هي مِن كلام الله خبرًا، وهي مِن كلام قائليها حسب معانيها ومراداتهم فيها، ويوضِّح ذلك ما تقدَّم مِن اختلاف الصيغة في الإخبار عن هذه الأقوال الواردة في القرآن" انتهى كلام البراك.

والله أعلم.

المراجع

القرآن وعلومه

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android