هل تلاوتنا للقرآن مخلوقة؟

السؤال 649441

هل تلاوتنا للقرآن مخلوقة؟

ملخص الجواب

قائل (تلاوتي بالقرآن): إن أراد شيئًا منسوبًا إلى العباد، كأصواتهم وحركاتهم؛ فهذه كلها أمور مخلوقة بلا خلاف. وإن أراد شيئًا منسوبًا إلى الله تعالى، مثل نظم القرآن، وترتيب كلماته وحروفه، وفواصله ونثره؛ فليس شيءٌ من ذلك مخلوقًا، بلا خلاف.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا:

ليس في الوجود إلا الخالق تعالى وصفاته وأفعاله، والمخلوقات المربوبة وصفاتها وأفعالها.

وقد أجمع المسلمون على أمرين ينضبط باستحضارهما كثير من المسائل المتعلقة بالقرآن وأفعال العباد، ويزول كثير من الاشتباه فيها إن شاء الله:

فالأول: إجماعهم على أن الله تعالى هو الخالق، وأنه ليس شيء منه تعالى مخلوقا، لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، فلا صفاته الذاتية ولا صفاته الاختيارية، ولا أسماؤه، ولا أفعاله المعيَّنة، فلا شيء من ذلك مخلوق.

والثاني: إجماعهم أنه ليس شيء من المخلوقات قديم لا أول له، وأن جميع المخلوقات حادثة مخلوقة مربوبة، ذواتها وصفاتها وأفعالها، وكل شيء منها مخلوق حادث، من مخلوقات الله تعالى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

"وقد علم أن ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق سبحانه وتعالى، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته"، انتهى من "التدمرية" (ص 66).

وبوَّب الإمام البخاري في كتاب "التوحيد" من "صحيحه" (9/ 134):

"ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرها

من الخلائق. وهو فعل الرب تبارك وتعالى وأمره. فالرب؛ بصفاته وفعله وأمره وكلامه، وهو الخالق المكوِّن: غير مخلوق. وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكوَّن"، انتهى.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

"الإنسان وجميع صفاته؛ مخلوق. حركاتُه وأفعالُه وأصواتُه؛ مخلوقةٌ، وجميعُ صفاتِه مخلوقةٌ.

فمن قال عن شيء من صفات العبد: إنها غير مخلوقة، أو: قديمة؛ فهو مخطئٌ ضالٌّ.

ومن قال عن شيء من كلام الله أو صفاته: إنه مخلوق؛ فهو مخطئ ضال.

وأما أصوات العباد بالقرآن، والمداد الذي في المصحف؛ فلم يكن أحدٌ من السلف يتوقَّف في ذلك، بل كلهم متفقون أن أصوات العباد مخلوقة، والمداد كله مخلوق، وكلام الله الذي يُكتَب بالمداد غير مخلوق"، انتهى من "مجموع الفتاوي" (12/ 568).

ثانيًا:

قول القائل: (تلاوتي بالقرآن) - ومثله قوله: (لفظي بالقرآن) - يحتمل أحدَ معنيَين مختلفَين، فإذا تبيَّن المعنى المراد؛ فإنه يتبيَّن حكمه.

فالمعنى الأول: أن يكون المراد بقوله (تلاوتي) هو: الإشارة إلى الكلام المقروء المتلوّ، وهو القرآن نفسه؛ معناه ولفظه، كلماته وحروفه.

والقرآن هو كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته، والقرآن هنا: هو الكلام، وهو هذه الأمور المذكورة.

وقد أجمع المسلمون أنه ليس شيء من صفات الله مخلوق، كما سبق.

والمعنى الثاني: أن يكون المراد بقوله (تلاوتي) هو: الإشارة إلى صوته إذا قرأ، وحركاته وأفعاله إذا تلا.

وقد سبق أن الإنسان مخلوق، وكل شيء منه مخلوق، صوته وحركاته وأفعاله، وجميع صفاته.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"وسبب ذلك: أن لفظ (التلاوة) و(القراءة) و(اللفظ)؛ مجمَل مشترَك، يراد به: المصدر، ويراد به: المفعول...

فمن قال: (اللفظ بالقرآن) أو: (القراءة) أو: (التلاوة) مخلوقة، أو: (لفظي بالقرآن) أو: (تلاوتي) = دخل في كلامه (نفس الكلام المقروء المتلو)؛ وذلك هو كلام الله تعالى.

وإن أراد بذلك (مجرد فِعْله وصوته)؛ كان المعنى صحيحًا، لكن إطلاق اللفظ يتناول هذا وغيره...

ومن قال: (لفظي بالقرآن غير مخلوق) أو: (تلاوتي)؛ دخل في ذلك (المصدر) الذي هو عملُه، وأفعال العباد مخلوقة.

ولو قال: (أردتُ به أن القرآن المتلوَّ غير مخلوق، لا نفسَ حركاتي)؛ قيل له: لفظك هذا بدعة، وفيه إجمال وإيهام، وإن كان مقصودك صحيحًا.

كما يقال للأول إذا قال (أردتُ أن فعلي مخلوق)؛ لفظك أيضًا بدعةٌ، وفيه إجمال وإيهام، وإن كان مقصودك صحيحًا.

فلهذا منع أئمة السنة الكبار أطلاق هذا وهذا، وكان هذا وسطًا بين الطرفين، وكان أحمد وغيره من الأئمة يقولون: القرآن حيث تصرَّف؛ كلام الله غير مخلوق"، انتهى مختصرا من "درء تعارض العقل والنقل" (1/ 264).

فتبين بذلك أن قول القائل (تلاوتي بالقرآن): كلمة مجملة، تحتمل الإشارة إلى نظم القرآن وتأليفه وترتيبه، وهي أفعال الله تعالى وصفته، وليس شيء منها مخلوقا.

كما تحتمل الإشارة إلى أفعال العباد وأصواتهم وحركاتهم، وكل ذلك مخلوق.

هذا؛ وقد سبق شرح المسائل المتعلقة بكلام الله، وأفعال العباد، في عدة أجوبة على الموقع، منها الجواب (588030)، و(227441)، و(392508) و(226223) فلتراجع للفائدة.

والحاصل:

أن قول القائل (تلاوتي بالقرآن) فيها إجمال واشتباه:

فإن أراد: صوته إذا قرأ، وحركاته وأفعاله عند القراءة؛ فهذه كلها أمور مخلوقة بلا خلاف.

وإن أراد: نفس الكلام المقروء؛ فليس شيء من ذلك مخلوقا، إذ هي أفعال الله تعالى وصفته.

والله أعلم.

المراجع

العقيدة

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android