يجوز للواقف أن يوقف شيئا يُدر دخلا، ويستثني الانتفاع بالوقف مدة حياته
هل يجوز الوقف مع استثناء منفعته للواقف مدة حياته؟
السؤال 647463
شخص ليس لديه ذرية ولديه مال هل يمكنه عمل مؤسسة خيرية يديرها بنفسه ويوقف ماله لها بشرط ان ينفق على نفسه وزوجته كما يشاء إلى ان يموت وتبقى المؤسسة؟
رجاء الرد على البريد الخاص
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
يجوز لهذا الرجل أن يشتري بماله ما يُدِرُّ دخلا، كمحل أو عقار يؤجره مثلا، ثم يوقف المحل أو العقار على أعمال الخير، ويستثني الانتفاع بالوقف، أو بجزء أو قدر منه، كنصفه أو ربعه أو راتب معين، لنفسه وزوجته مدة حياتهما، وإلى جواز هذا ذهب الحنابلة.
قال المرداوي رحمه الله في الإنصاف (7/ 18): " قوله: (وإن وقف على غيره، واستثنى الأكل منه مدة حياته: صح). هذا المذهب. نص عليه. وعليه جماهير الأصحاب. وجزم به في المغني، والشرح، وشرح الحارثي، وابن منجا، والمحرر، والوجيز، والقواعد، وغيرهم. وقدمه في الفروع، والرعاية. وهو من مفردات المذهب" انتهى.
وقال البهوتي رحمه الله في كشاف القناع (10/ 22):
(وإن وقف) الإنسان (على غيره) كأولاده، أو مسجد (واستثنى كُلَّ الغلَّة له) أي: لنفسه؛ صح. (أو) وقف على نحو مسجد واستثنى الغَلَّة (لولده، أو غيره مدَّةَ حياته، أو مدَّةً معينة، أو استثنى الأكلَ) مما وقفه، (أو) استثنى (النفقةَ عليه، وعلى عياله) مما وقفه (أو) شرط (الانتفاعَ لنفسه وعياله، ونحوهم، ولو) كان الانتفاع (بسُكنى مدة حياتهم، أو) شرط (أن يطعم صديقه؛ صح) الوقف على ما قال؛ (سواءٌ قدَّرَ ذلك) أي: ما يأكله هو، أو عياله، أو صديقه، ونحوه، (أو أطلقه)، لقول عمر رضي الله عنه لما وقف: "لا جناح على من وليها أن يأكل منها، أو يُطعِمَ صديقًا، غير متموِّلٍ فيه". وكان الوقف في يده إلى أن مات انتهى.
ثانيا:
يجوز لهذا الواقف: أن يوقف المحل أو العقار على نفسه وزوجته، ثم على من يراه، كالفقراء وطلبة العلم ونحوهم.
والوقف على النفس جائز في قول جماعة من الفقهاء، وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد، اختارها جماعة من الحنابلة، كشيخ الإسلام ابن تيمية والمرداوي.
قال المرداوي رحمه الله: " قوله (ولا يصح على نفسه في إحدى الروايتين). وهو المذهب. وعليه أكثر الأصحاب ...
والرواية الثانية: يصح. نص عليه في رواية إسحاق بن إبراهيم، ويوسف بن أبي موسى، والفضل بن زياد. قال في المذهب، ومسبوك الذهب: صح في ظاهر المذهب. قال الحارثي: هذا هو الصحيح. قال أبو المعالي في النهاية، والخلاصة: يصح على الأصح. قال الناظم: يجوز على المنصور من نص الإمام أحمد - رحمه الله -. وصححه في التصحيح، وإدراك الغاية. قال في الفائق: وهو المختار. واختاره الشيخ تقي الدين - رحمه الله -. ومال إليه صاحب التلخيص".
ثم قال: " قلت: وهذه الرواية عليها العمل في زماننا وقبله، عند حكامنا، من أزمنة متطاولة. وهو الصواب. وفيه مصلحة عظيمة. وترغيب في فعل الخير. وهو من محاسن المذهب" انتهى من "الإنصاف" (7/ 16).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في الشرح الممتع (11/ 26): " قوله: والوقف على نفسه يعني لا يصح، بأن يقول: وقفت على نفسي بيتي الفلاني، قال الإمام أحمد: لا أعرف الوقف إلا ما أخرجه لله.
والموقف على نفسه لم يصنع شيئا؛ لأنه أخرج ملكه إلى ملكه، فما الفائدة؟
فإن قالوا: الفائدة ألا يبيعه؛ لأن الوقف لا يجوز بيعه، قلنا: ومن الذي يجبره على بيعه؟! يبقيه حرا غير وقف ولا يبيعه.
فإن قال: أخشى أن تغلبني نفسي على بيعه، فأوقفه على نفسي، فهنا تكون الفائدة، فإذا كان الإنسان يخشى على نفسه أن يبيع بيته فأوقفه على نفسه خوفا من ذلك، فهذه فائدة، ولا شك أن لها وزنا وقيمة؛ ولذلك اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ هل يصح أن يقف الإنسان على نفسه أو لا؟
فالمذهب: أنه لا يصح، وعليه، فيرجع الوقف إليه ملكا؛ لعدم صحته، فيجعل عقد الوقف وعدمه سواء.
ولكن إذا وقفه على نفسه، ثم ذكر أحدا بعد نفسه: انتقل إليهم في الحال ...
والقول الثاني: أنه يصح الوقف على النفس، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ، وجماعة من العلماء المحققين؛ لأن الوقف على النفس فيه فائدة، وهي الامتناع من التصرف فيه، فلا يبيعه ولا يهبه ولا يرهنه، وأنه إذا مات صرف مصرف الوقف المنقطع، ولم يكن ميراثا للورثة " انتهى.
وينظر: الموسوعة الفقهية (44/ 143).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟