لا يشرع الاستثناء في النية، ولا تعليقها على علم الله، وإنما يشرع هذا التعليق في صلاة الاستخارة، كما ورد في السنة.
هل يجوز تعليق النية بالمشيئة أو بعلم الله؟
السؤال 646304
هل يمكن أن أَرد النية في العبادة إلى علم الله تعالى؟
فمثلاً أن أقول: "اللهم نويت بهذا العمل كذا ... إن كان في ذلك خيراً لي كما في علمك"، أو أن أقول: "اللهم، نويت بهذا العمل على حسب ما هو خير لي كما في علمك".
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
النية نيتان:
الأولى: قصد الله تعالى بالعبادة، وهذا هو الإخلاص.
والثانية: تمييز العبادة عن العادة، كتمييز الغسل الشرعي عن غسل التبرد أو التنظف، وتمييز العبادات بعضها من بعض، كتمييز صلاة الظهر عن صلاة العصر.
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله" :النيةُ في كلام العُلماء تقعُ بمعنيين:
أحدهما: بمعنى تمييز العباداتِ بعضها عن بعضٍ، كتمييزِ صلاة الظُّهر مِنْ صلاةِ العصر مثلاً، وتمييزِ صيام رمضان من صيام غيرِه .
أو تمييز العباداتِ مِنَ العادات ، كتمييز الغُسلِ من الجَنَابةِ مِنْ غسل التَّبرُّد والتَّنظُّف، ونحو ذلك .
وهذه النيةُ هي التي تُوجَدُ كثيراً في كلامِ الفُقهاء في كتبهم.
والمعنى الثاني: بمعنى تمييزِ المقصودِ بالعمل، وهل هو لله وحده لا شريكَ له، أم غيره، أم الله وغيرُه، وهذه النيّة هي التي يتكلَّمُ فيها العارفُونَ في كتبهم، في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي تُوجَدُ كثيراً في كلام السَّلَفِ المتقدّمين". انتهى من " جامع العلوم والحكم " (1/63) .
ثانيا:
النية محلها القلب، ولا يشرع التلفظ بها؛ لأنه لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نويت كذا، في شيء من العبادات.
وينظر: جواب السؤال رقم (13337)، ورقم (31821).
ثالثا:
لا يشرع "الاستثناء في النية" بأن يقول: "إن شاء الله"، ونحو ذلك، ولا تعليقها على "علم الله"، ولا تعليقها بشيء آخر؛ لأن النية المعتبرة لا بد أن تكون جازمة، والتعليق ينافي الجزم؛ فلم يعتد بها.
قال تقي الدين الحصني، رحمه الله: واعلم: أن النية معناها القصد، كما مر ؛ وهو لا يؤثر إِلا إِذا كان جازمًا بالمقصود بصفته الخاصة ، وإِلا لم يكن قصدًا؛ فلو كان شاكًا في وجود شرط ذلك الفعل، أو علق النية على شرط= لم يصح المنوى. انتهى، من القواعد (1/ 232).
وقال الماوردي، رحمه الله: «ولو نوى من الليل صوم الغد، إن شاء زيدا، وخف عليه وطاب له، فلا صوم له، وإن شاء زيد، وخف عليه= لأن النية هي قصد العمل باعتقاد خالص، وفي تعليق النية بمشيئة زيد عدول عن مقتضى العبادة.
ولو نوى صوم الغد إن شاء الله، فالصحيح أن لا صوم له، لأن إن شاء الله استثناء يرفع حكم ما نيط به». انتهى، من الحاوي الكبير (3/ 404).
وقال أبو المعالي الجويني، رحمه الله: والتحقيق فيه: أن الجزم غير ممكن مع التردّد، فإن صوّر مصورٌ جزماً، فذاك إجراءُ حديثِ نفسٍ، وليست النية حديثاً، وإنما هي قصدٌ واقع، ولا يتصور تجرّده مع التردد في المقصود. انتهى، من نهاية المطلب (4/ 33).
وقال ابن قدامة، رحمه الله: وإذا دخل في الصلاة بنية مترددة بين إتمامها وقطعها، لم تصح؛ لأن النية عزم جازم، ومع التردد لا يحصل الجزم. انتهى، من المغني (2/ 133).
لكن رد الأمر إلى علم الله إنما يكون في الاستخارة قبل العمل، كمن أراد أن يعتمر، لكنه متردد في ملاءمة الظرف، أو الوقت، أو غير ذلك مما يجهل عاقبته: فإنه يصلي صلاة الاستخارة، ويدعو ويكون من جملة دعائه: اللهم إن كنت تعلم أن اعتمارى في هذا الوقت، أو مع هذه الشركة، أو مع هذا الصاحب خير لي في ديني ودنياي... فاقدره لي ويسره لي.
لكنه إذا شرع في العمرة، نوى الإحرام نية جازمة، لم يعلقها على شيء.
فما شرع فيه الاستخارة، يعلق الأمر في دعاء الاستخارة لها على علم الله أن هذا خير للعبد، ثم تكون النية جازمة دون تعليق.
ولا تشرع الاستخارة في أداء العبادات المعينة كالصلوات المفروضة والنافلة، والصوم، والزكاة، ونحوها، كما لا تشرع في ترك المحرمات والمكروهات.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "صلاة الاستخارة أن الإنسان إذا هم بأمر وتردد في عاقبته، فإنه يستخير الله أي: يسأل الله خير الأمرين: الإقدام أو الترك، فيصلي ركعتين من غير الفريضة فإذا سلم قال: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسميه- خير لي في ديني ودنياي، أو قال: عاقبة أمري وعاجله، فاقدره لي ويسره لي، وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري وعاجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به) فإذا فعل ذلك واستقر رأيه بعد هذا على الإقدام أو الترك فإن الله سبحانه وتعالى إذا كان قد قبل منه يجعل الخير فيما حصل.
ولكنه لا يستخير في كل شيء، يعني: ليس للإنسان إذا أراد أن يتغدى أن يقول: أستخير الله، إذا أراد أن يذهب يصلي مع الجماعة أن يقول: أستخير الله، إنما يستخير الله في أمر لا يدري ما عاقبته" انتهى من لقاء الباب المفتوح (85/ 11).
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: " الاستخارة تكون عند الحيرة، وعند الاشتباه، إما في نفس المعزوم عليه والمراد، وإما في الطريق إليه والوسيلة إليه.
أما الشيء المعلوم أنه قربة، وأنه طاعة، أو أنه مباح وليس هناك شبهة في الطريق إليه: فلا حاجة إلى الاستخارة، فلا يستخير كيف يصلي؟ ولا يستخير كيف يصوم رمضان؟ ولا يستخير كيف يحج؟ ولا يستخير كيف يبر والديه؟ كل هذه أمور معلومة مشروعة، كذلك لا يستخير في أكل التمر، أو أكل الرز، أو أكل ما أباح الله من البهائم التي يعرف أنها مباحة.
فالاستخارة في الأمور المشتبهة، مثل امرأة يخطبها، فيشتبه هل يناسب أن يخطبها أم لا؟ فيستخير، أو سفر إلى بلد من البلدان، يستخير هل هو سفر مناسب مفيد أم لا؟ أو بطريقه إلى الحج، هل الطريق هذا أحسن أو الطريق هذا أحسن؟ لأن فيها: بعضها خوف، وبعضها لا يناسب، أو بعضها قليل الماء، فيستخير في الوسيلة إلى الحج؛ لأنها مشتبهة، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي تشتبه.
أما الأمور الواضحة أنها قربة، أو أنها مباحة، وليس هناك شبهة فيها، ولا في الطريق إليها، فلا حاجة إلى الاستخارة، ولا تشرع الاستخارة في ذلك" انتهى من فتاوى نور على الدرب.
وعليه؛ فالصلاة-مثلا- ينوي الإنسان فيها أنها نافلة أو تحية مسجد أو فرضا معينا، ولا يستخير قبلها، ولا يعلق نيته على شيء كما تقدم، وكذلك لو أراد صوم رمضان فإنه لا يستخير، والنية لا تعليق فيها بحال.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟