أولا:
من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة أن أسماء الله وصفاته توقيفية، لا تثبت إلا بالقرآن وصحيح السنة، وأن الله جل جلاله موصوف بكل كمال، ومنزه عن كل نقص وعيب ومماثلة للمخلوقين؛ لقوله سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11]، وقوله تعالى: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 4].
لكن هذا الباب غير باب "الإخبار" عن الله بمعنى صحيح لا يتضمن نقصًا، ولو لم يرد به نص خاص، وهذا الباب أوسع من باب الأسماء والصفات. قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
قال الإمام ابن القيم رحمه الله كما في "فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى" (ص24-25): "باب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات. ويجب أن يعلم هنا أمورٌ:
أحدها: أنَّ ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته؟ كالشيء والموجود والقائم بنفسه، فإنَّه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا.
الثاني: أن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه، بل يطلق عليه منها كمالها، وهذا كالمريد والفاعل والصانع، فإنَّ هذه الألفاظ لا تدخل في أسمائه؛ ولهذا غلط من سماه بالصانع عند الإطلاق، بل هو الفعَّالُ لما يريد فإنَّ الإرادة والفعل والصنع منقسمةٌ؛ ولهذا إنَّما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلاً وخبرًا". انتهى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في "مجموع الفتاوى" (6/ 142): "ويفرق بين دعائه والإخبار عنه؛ فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه؛ فلا يكون باسم سيء، لكن قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيء، وإن لم يحكم بحسنه؛ مثل اسم: شيء، وذات، وموجود ... ". انتهى .
يراجع للفائدة جواب السؤال رقم (444678)، ورقم (191441)، ورقم (641938)، ورقم (431838)، ورقم (198069).
والخوف المعهود في المخلوقين صفة نقص؛ لأنه انفعال واضطراب في النفس ينشأ عن الضعف، أو العجز، أو توقع مكروه لا يقدر العبد على دفعه، والله سبحانه وتعالى هو القاهر فوق عباده، القادر على كل شيء، الفعّال لما يريد، لا يخرج شيء عن مشيئته وقدرته؛ ولهذا لا يوصف الله تبارك وتعالى بصفة الخوف الذاتية؛ بل ولا يخبر به عنه؛ فجل القوي المتين، القهار العليم عن النقص كله، والعيب كله؛ تبارك وتعالى وتقدست أسماؤه الحسنى وصفاته العلى.
ثانياً:
قال الشيخ السعدي، رحمه الله، في تفسير قول الله عز وجل: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ =:
"يخبر تعالى بأن الدنيا لا تسوى عنده شيئا، وأنه لولا لطفه ورحمته بعباده، التي لا يقدم عليها شيئا، لوسَّع الدنيا على الذين كفروا توسيعا عظيما، ولجعل لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ أي: درجا من فضة عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ على سطوحهم.
وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ: وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ من فضة، ولجعل لهم زخرفا أي: لزخرف لهم دنياهم بأنواع الزخارف، وأعطاهم ما يشتهون، ولكن منعه من ذلك رحمتُه بعباده، خوفًا عليهم من التسارع في الكفر وكثرة المعاصي بسبب حب الدنيا". انتهى، من "تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن" (ص765).
والمعنى المراد ذكره هنا: تقرير لطف الله تعالى بعباده، ورحمته بهم، وبيان حقارة الدنيا وهوانها عليه، وأنه لولا رحمته بعباده ولطفه بهم لئلا يفتتنوا بزخرف الدنيا، فيكفروا جميعاً= لأعطى الكفار منها عطاءً عظيماً يجعل بيوتهم من فضة وذهب.
قال الإمام القرطبي رحمه الله كما في تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن (16/ 84): "ذَكَرَ حَقَارَةَ الدُّنْيَا وَقِلَّةَ خَطَرِهَا، وَأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنَ الْهَوَانِ بِحَيْثُ كَانَ يَجْعَلُ بُيُوتَ الْكَفَرَةِ وَدَرَجَهَا ذَهَبًا وَفِضَّةً لَوْلَا غَلَبَةُ حُبِّ الدُّنْيَا عَلَى الْقُلُوبِ، فَيَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى الْكُفْرِ. قَالَ الْحَسَنُ: الْمَعْنَى لَوْلَا أَنْ يَكْفُرَ النَّاسُ جَمِيعًا بِسَبَبِ مَيْلِهِمْ إِلَى الدُّنْيَا وَتَرْكِهِمُ الْآخِرَةَ، لَأَعْطَيْنَاهُمْ فِي الدُّنْيَا مَا وَصَفْنَاهُ، لِهَوَانِ الدُّنْيَا عِنْدَ اللَّهِ عز وجل". انتهى.
وهذا المعنى الظاهر من الآية الكريمة، يدلك على أن معنى "المفعول لأجله" في هذه الآية: وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً = هو كراهية الله جل جلاله لعباده أن يكونوا على تلك الحال.
قال ابن عطية في "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" (5/ 53): "ولولا كراهية أن يكون الناس كفارا كلهم، وأهل حب في الدنيا وتجرد لها= لوسع على الكفار غاية التوسعة ومكنهم من الدنيا". انتهى.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" (7/ 264 ط عطاءات العلم): "وَبَيَّنَ حِكْمَتَهُ فِي اشْتِرَاكِ الْمُؤْمِنِ مَعَ الْكَافِرِ فِي نَعِيمِ الدُّنْيَا بِقَوْلِهِ: وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً: أَيْ لَوْلَا كَرَاهَتُنَا لِكَوْنِ جَمِيعِ النَّاسِ أُمَّةً وَاحِدَةً مُتَّفِقَةً عَلَى الْكُفْرِ، لَأَعْطَيْنَا زَخَارِفَ الدُّنْيَا كُلَّهَا لِلْكُفَّارِ. وَلَكِنَّنَا لِعِلْمِنَا بِشِدَّةِ مَيْلِ الْقُلُوبِ إِلَى زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَحُبِّهَا لَهَا، لَوْ أَعْطَيْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْكُفَّارِ لَحَمَلَتِ الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا جَمِيعَ النَّاسِ عَلَى أَنْ يَكُونُوا كُفَّاراً". انتهى.
ولا إشكال في ذلك المعنى، ولا إشكال في كراهية الله جل جلاله كفر من كفر من عباده، ومعصية من عصى منهم. وهذا واضح.
لكن الذي أشكل على السائل إنما هو التعبير عن هذه "الكراهة" أو "الكراهية" بلفظ "الخوف"، ونسبة ذلك إلى الله جل جلاله؟
فيقال في الجواب عن هذا الإشكال:
إن هذا نوع من التوسع في العبارة، والاستعمال الجاري على طرائق العرب في بيانها، إذا أُمن اللبس، وعلم السامع مراد القارئ والسامع ذلك الكلام.
وقد وردت الخشية في كتاب الله منسوبة إلى ضمير "الجمع" في قول الله تعالى: فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا [الكهف: 80].
وهذه الخشية، وإن قيل إن الضمير فيها عائد إلى الخضر عليه السلام، أو غير ذلك؛ فقد قال من قال من أهل العلم إن الضمير يعود إلى الله جل جلاله، بل عبر عن "خشينا" هنا بـ"خفنا"، نظير ما عبر به الشيخ السعدي؛ إحالة على فهم السامع لذلك، وأنه أسلوب عربي يظهر من السياق، بلا لبس مراد القائل له.
قال الأخفش: «وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً
وأما فَخَشِينَآ فمعناه: كَرِهنا، لأنَّ اللهَ لا يَخْشى. وهو في بعض القراءات فَخَافَ رَبُّكَ وهو مثل "خِفْتُ الرَّجُلَيْنِ أَنْ يَقُولا" وهو لا يخاف من ذلك اكثر من انه يكرهه لهما». انتهى، من معانى القرآن للأخفش (2/ 433).
وقال الإمام الطبري، رحمه الله: "حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (وأمَّا الغُلامُ فَكانَ أَبَوَاه مُؤْمِنَيْنِ وَكَانَ كَافِرًا) فى بعضِ القراءةِ، قولُه: فَخَشِينَا وهي في مصحفِ عبدِ اللهِ: (فَخافَ رَبُّكَ أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا).
ثم قال:
"والخشيةُ والخوفُ تُوَجِّهُهما العربُ إلى معنى الظنِّ، وتُوَجِّهُ هذه الحروفَ إلى معنى العلمِ بالشيءِ، الذي يُدْرَكُ من غيرِ جهةِ الحِسِّ والعِيانِ. وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه في غيرِ هذا الموضعِ بما أغنى عن إعادتِه.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البَصْرةِ يقولُ: معنى قولِه: فَخَشِينَا في هذا الموضعِ: كَرِهنا؛ لأن اللهَ لا يَخْشَى. قال: وهو في بعضِ القراءاتِ: (فَخَافَ رَبُّكَ). قال: وهو مثلُ: خِفْتُ الرجلين أن يَعُولا. وهو لا يخافُ من ذلك أكثرَ من أنه يَكْرَهُه لهما". انتهى، وانظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (7/2380).
وقال الثعلبي، رحمه الله: « قوله عز وجل: وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا:
أي: فعلمنا، وفي مصحف أُبَيّ رضي الله عنه (فخاف ربك)، أي: علم، ونظائره كثيرة.
وقال قطرب: معناه: فكرهنا، كما تقول: فرقت بين الرجلين خشية أن يقتتلا، وليست منك خشية؛ ولكن كراهية أن يقتتلا». انتهى، من تفسير الثعلبي (17/ 231).
وقال ابن عطية، رحمه الله: "وقوله: ( فَخَشِينا): قيل: هو في جملة الخضر. فهذا متخلص [=يعني: واضح، لا إشكال فيه].
والضمير عندي: للخضر وأصحابه الصالحين الذين أهمهم الأمر، وتكلموا فيه.
وقيل: هو في جهة الله تعالى، وعنه عبر الخضر. قال الطبري: معناه: فعلمنا. وقال غيره: معناه: فكرهنا.
والأظهر عندي في توجيه هذا التأويل، وإن كان اللفظ يدافعه: أنها استعارة، أي على ظن المخلوقين والمخاطبين، لو علموا حاله لوقعت منهم خشية الرهَق للأبوين.
وقرأ ابن مسعود: فخاف ربك؛ وهذا بيِّنٌ في الاستعارة، وهذا نظير ما يقع في القرآن في جهة الله تعالى من: لعل وعسى؛ فإن جميع ما في هذا كله، من تَرَجٍّ، وتوقُّع، وخوفٍ، وخشيةٍ، إنما هو بحسبكم أيها المخاطبون". انتهى، من تفسير ابن عطية (3/ 536).
والحاصل:
أن التعبير عن المفعول لأجله هنا بـ"خوفا"، جار على نظام نظائره في مثل هذا المعنى في كتاب الله؛ من أنه بمعنى "كرهنا"، وقد يكون بمعنى: "علمنا"، ونحو ذلك.
وأن التوسع في استعمال لفظ "الخوف" هنا، مضافا إلى الله جل جلاله، وهو منزه عن الاتصاف بالخوف؛ جاء نظيره في كتاب الله، على ما تأوله جمع من أهل العلم، وقرأ به من قرأ من السلف؛ ولم نقف على أحد من أهل العلم: أنكر هذه النسبة، أو رد هذه القراءة، لمجرد ظاهر الإضافة المذكورة.
والله أعلم.