هل الرزق مكتوب ولا يتغير؟ وكيف يزيد بالدعاء والسعي وصلة الرحم؟

السؤال 587902

قرأت في "مجموع فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية": أن الرزق قسمان، قسم مبرم تابع لقدر الله المبرم لا يتغير مهما حصل، وأنه ثابت، ورزق معلق تابع لقدر الله الذي كتبه الملائكة، المعلق الذي هو تابع، ومعلق لأسباب.
أرجو التوضيح؛ لأن هذا الكلام تعسر علي، وحصل لي حالة إحباط شديدة، وعدم إرادة للدعاء؛ بسبب أني مهما سعيت قد لا أخذ رزقا بقدر ما أناس أخرين رزقوا.

ملخص الجواب

القدر المبرم هو الثابت في علم الله الشامل للرزق وأسبابه، أما المعلق في صحف الملائكة فهو الذي يتبدل بحسب اتخاذ الأسباب، فهي فرصة مشرَّعة أمام العبد، مفتاحها بيده، فحريٌّ بمن علم ذلك أن يكثر من التوكل والدعاء والسعي واتخاذ الأسباب، مع الثقة في حكمة الله تعالى المعطي المانع.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الحقيقة الشرعية التي بيَّنها الله تعالى وبيَّنها رسوله صلى الله عليه وسلم بيانا لا لبس فيه هي: أن الدعاءَ والسعيَ في طلب الرزق؛ هما جزءٌ أصيلٌ من القدَر.

فمن علم ذلك تم إيمانه الواجب بالقدر، وعلم أنه لا تعارض بين (القدَر) و(اتخاذ الأسباب) الموصلة إلى انواع الرزق، التي من أعظمها الدعاء والطلب من الله عز وجل، وزال عنه كل التباس إن شاء الله.

فالقدر ليس عائقًا أمام الدعاء، ولا الدعاء منفصل عن القدر، بل هو جزء منه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"الرزق نوعان:

أحدهما: ما علمَه الله أنه يَرزقه؛ فهذا لا يتغير.

والثاني: ما كتبَه، وأعلَمَ به الملائكةَ؛ فهذا يزيد وينقص بحسب الأسباب.

فإن العبدَ؛ يأمر اللهُ الملائكةَ أن تكتب له رزقًا، وإن وصل رحمَه زاده الله على ذلك، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سرَّه أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره؛ فليصِل رحمَه) ...

ومن هذا الباب قول عمر: اللهم إن كنت كتبتني شقيا، فامحني واكتبني سعيدا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت.

ومن هذا الباب قوله تعالى عن نوح: أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون* يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى . وشواهده كثيرة.

والأسباب التي يحصل بها الرزق: هي من جملة ما قدَّره الله وكتبه، فإن كان قد تقدَّم بأنه يَرزق العبدَ بسعيه واكتسابه؛ ألهمه السعيَ والاكتساب"، انتهى من "مجموع الفتاوي" (8/ 540).

فبيَّن رحمه الله أنَّ (الأسباب) التي جعلها الله تعالى موجبة للرزق، هي أيضا مما قدَّره الله تعالى، فالله تعالى قدَّر كلَّ شيء وعلِمَه، فقدَّر الرزق، وكذلك قدَّر الأسباب الموصلة إلى الرزق.

فشرح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم أن القدر في الرزق وغيره نوعان:

فالأول قدر ثابت لا يتغير:

وهو ما علِمه الله تعالى بعلمه المحيط بكل شيء سيكون، وهذا يشمل العلم بأنَّ العبد سيتخذ أسباب الرزق كالدعاء والسعي، وكذلك يشمل: علمه تعالى أنه سوف يجيب العبد فيرزقه، لأنه اتخذ الأسباب التي رتب الله عليها الرزق وجعلها الله تعالى موجبة للرزق وموصلة إليه.

فهذا النوع من القدر لا يتغير ولا يتبدل، وذلك لأن علم الله تعالى لا يفوته شيء، ولا يعزب عنه شيء.

والثاني قدَر يتغير ويتبدل:

وهو ما يخبر الله تعالى به الملائكة، فيكتبه الملك الموكل بالإنسان، وهذا المكتوب في الصحف قابل للزيادة والنقصان، والمحو والإثبات، بناءً على أفعال العبد من دعاءٍ وصلةِ رحمٍ، وسعي.

والله تعالى يعلم بعلمه القديم، أن العبد سوف يتخذ أسباب التغيير لما في صحف الملائكة، فيصل رحمه، أو يدعو، أو غير ذلك، فيأمر الله تعالى الملائكة حينئذ أن تمحو ما في صحفها، ويأمرها أن تثبت الزيادة، بسبب فعل العبد.

وما في صحف الملائكة إنما يكتَب في صحف الملائكة وهو في بطن أمه فحسب، كما رواه مسلم رواه البخاري (318) ومسلم (2646).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:

"فلهذا قال العلماء: إن المحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف، ولا يبدو له ما لم يكن عالمًا به؛ فلا محوَ فيه ولا إثبات"، كما في "مجموع الفتاوي" (14/ 492).

فهذا المكتوب في صحف الملائكة معلق على أسباب، فإن باشرها العبدُ زاد رزقه.

وقد سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (اعملوا فكلٌّ ميسَّر)، ثم قرأ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى. رواه البخاري (4945) ومسلم (2647).

قال الطيبي: "منعَهم عن ترك العمل، وأمرَهم بالتزام ما يجب على العبد من العبودية"، كما في "فتح الباري" (11/ 497).

وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله هذا الحديث وغيره من الأحاديث في معناه، ثم قال:

"مَن ترك الأسباب المشروعة المأمور بها، أمر إيجاب أو أمر استحباب، من جلب المنافع أو دفع المضار: قادحٌ في الشرع، خارج عن العقل"، كما في مجموع الفتاوي (8/ 177).

فالقصود:

أن من الخطأ العظيم أن يظن أحدٌ أنه إن ترك دعاء الله والطلب منه والتوكل عليه؛ فسوف يأتيه الرزق المقدَّر المكتوب، وذلك لأن الله العظيم الذي كتب الرزق، جعل الدعاء والتوكل والسعي وصلة الرحم ونحو ذلك: أسبابا موصلة للرزق.

وأما الملائكة فلا تعلم عن رزق العبد واتخاذه للأسباب، إلا ما يخبرها الله تعالى به، فتكتبه وهو في بطن أمه، ويبقى كل ذلك محتملا للمحو أو الإثبات، بحسب سعي العبد ودعائه وتوكله.

قال شيخ الإسلام:

"فمن قال: ما قُدِّر لي فهو يحصل لي، دعوت أو لم أدع، وتوكَّلت أو لم أتوكل؛ فهو بمنزلة من يقول: ما قُسِم لي من السعادة والشقاوة فهو يحصل لي، آمنت أو لم أؤمن، وأطعت أم عصيت! ومعلوم أن هذا ضلال وكفر"، كما في "مجموع الفتاوي" (8/ 176).

فاعلم أيها السائل الكريم: أن دعاءك وسعيك وتوكلك وطلبك من الله: كلها من القدر، وهي الأسباب التي جعلها الله تعالى موصلة للرزق.

واعلم: أن الله تعالى يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، لا قَبل ذلك، ولا بدون ذلك، فالدعاء سبب الإجابة وطريق العطاء، كما قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ، وكما قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ.

وفي القرآن ما لا يحصى من الآيات الدالة على أن الله تعالى يستجيب للداعي بعد الدعاء، وبسببه، فإياك ووساوس الشيطان، يريد أن يصدك عن عبادة الله، أو يأمرك بترك الأسباب التي بها يرزق الله عباده ويعطيهم ويرحمهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

"فإذا أراد الله بعبد خيرًا؛ ألهمه دعاءه والاستعانة به، وجعلَ استعانتَه ودعاءه سببًا للخير الذي قضاه له، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل همَّ الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء؛ فإن الإجابة معه.

كما أن الله تعالى إذا أراد أن يُشبِع عبدًا أو يرويه؛ ألهمَه أن يأكل أو يشرب، وإذا أراد الله أن يتوب على عبد ألهمه أن يتوب، فيتوب عليه، وإذا أراد أن يرحمه ويدخله الجنة؛ يسَّره لعمل أهل الجنة.

والمشيئة الإلهية: اقتضت وجود هذه الخيرات بأسبابها المقدرة لها، كما اقتضت وجود دخول الجنة بالعمل الصالح، ووجود الولد بالوطء، والعلم بالتعليم"، انتهى من "اقتضاء الصراط المستقيم" (2/ 229).

ثم لا تقارن نفسك بغيرك، وكن على ثقة ويقين بحكمة الله، فإنه تعالى يعطي لحكمةٍ، ويمنع لحكمةٍ، وإذا كنت تجد غيرك أكثرَ رزقا، فلعل من أسباب ذلك أنهم أكثر دعاء وطلبا، وأكثر سعيا، وأشد توكلا، وأكثر اتخاذا للأسباب، ولحكمة يعلمها الله تعالى، فإنه وحده الذي يبسط الرزق ويقدر، ويفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد سبحانه.

ثم إن هذه الكثرة في المال لا يلزم منها إكرام الله تعالى، كما سبق بيانه في جواب السؤال رقم: (568422) فليراجع.

وراجع للفائدة الأجوبة: (11749)، و(112094)، و(223000)، و(213652)، و(130499).

والله أعلم.

المراجع

الإيمان بالقضاء والقدر

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android