لا حرج في قولك للمشتري: لو التزمت بسداد الأقساط في مواعيدها، أسقطت عنك القسط الأخير، مكافأة لك.
وهو من باب الهبة المعلقة على شرط، وتعليق الهبة على شرط: جائز في قول بعض الحنفية والحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهم الله.
ومستند ذلك: ما روى البخاري (2296)، ومسلم (2314) عَنْ جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) فَلَمْ يَجِئْ مَالُ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ فَنَادَى مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا فَحَثَى لِي حَثْيَةً فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُ مِائَةٍ وَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا.
وروى أحمد (27276)، وابن حبان (5114) عن أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: " لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَ لَهَا: " إِنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقِيَّ مِنْ مِسْكٍ، وَلَا أَرَى النَّجَاشِيَّ إِلَّا قَدْ مَاتَ، وَلَا أَرَى إِلَّا هَدِيَّتِي مَرْدُودَةً عَلَيَّ، فَإِنْ رُدَّتْ عَلَيَّ فَهِيَ لَكِ "، قَالَ: وَكَانَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرُدَّتْ عَلَيْهِ هَدِيَّتُهُ، فَأَعْطَى كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أُوقِيَّةَ مِسْكٍ، وَأَعْطَى أُمَّ سَلَمَةَ بَقِيَّةَ الْمِسْكِ وَالْحُلَّةَ".
وحسَّن الحافظ إسناده في "الفتح" (5/ 222).
والجمهور يجعلون ذلك وعدا غير ملزم.
قال ابن قدامة رحمه الله في "المغني" (6/ 47): " ولا يصح تعليق الهبة بشرط؛ لأنها تمليك لمعين في الحياة، فلم يجز تعليقها على شرط، كالبيع. فإن علقها على شرط، كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: إن رجعت هديتنا إلى النجاشي فهي لك . كان وعدا" انتهى.
والصحيح أنها هبة معلقة، فتلزم عند تحقق الشرط.
قال ابن القيم رحمه الله في مناقشة قول الجمهور بأن الهبة لا يصح تعليقها بالشرط:
"وهذا الحكم غير ثابت بالنص ولا بالإجماع، فما الدليل على بطلان تعليق الهبة بالشرط؟ وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علق الهبة بالشرط في حديث جابر لما قال: لو قد جاء مال البحرين لأعطيتك هكذا وهكذا ثم هكذا ثلاث حثيات. وأنجز ذلك له الصديق رضي الله عنه لما جاء مال البحرين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: كان ذلك وعداً.
قلنا: نعم، والهبة المعلقة بالشرط وعد، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث إلى النجاشي بهدية من مسك وقال لأم سلمة: إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك ولا أرى النجاشي إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودة، فإن ردت علي فهي لك. وذكر الحديث. رواه أحمد.
فالصحيح: صحة تعليق الهبة بالشرط، عملاً بهذين الحديثين " انتهى من "إغاثة اللهفان" (2/ 16 - 17).
وقال في "أحكام أهل الذمة" (2/ 752): " والأصل في الشروط الصحة، والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحل حراما، أو حرم حلالا، وكذلك الهبة يجوز تعليقها بالشرط كما ثبت ذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لَكَ" انتهى.
وقال المرداوي في "الإنصاف" (7/ 133): " قوله (ولا يجوز تعليقها على شرط).
هذا المذهب. وعليه الأصحاب ...
وذكر الحارثي جواز تعليقها على شرط. قلت: واختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله " انتهى.
وينظر: "حاشية ابن عابدين" (5/ 710).
وجاء في المعايير الشرعية، ص 268: "مستند مشروعية تعليق الهبة على إتمام الإجارة: هو أن الهبة تقبل التعليق، وقد وهب النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي هبة معلقة على وجوده حيا حين وصول حاملها إليه" انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "الشرح الممتع" (11/ 152): "ومن هنا نعلم صحة الهبة المشروطة بشرط، خلافاً للمذهب، مثل أن يقول لشخص: إن تزوجت فقد وهبت لك هذا البيت تسكنه أنت وزوجتك، فهذا يجوز؛ لأن المسلمين على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرَّم حلالاً.
والصحيح: أن جميع العقود يجوز فيها التعليق، إلا إذا كان هذا التعليق يُحِق باطلاً أو يبطل حقاً" انتهى.
فالراجح جواز تعليق الهبة على شرط.
وعليه؛ فلا حرج في التزامك بمكافأة العميل على الانتظام في السداد.
والله أعلم.