اشتمل سؤالك على عدة مسائل.
وبداية نقول جزاك الله خيرا على ما تقومين به من تعليم الصغار الصلاة وتدريبهم عليها.
أولا:
أما إمامتهم في الصلاة فإن كانوا من البنات فلا بأس وتكونين في وسط الصف، وإن كانوا من الذكور فلا يصح الإمامة بالرجال ولو أطفالاً.
قال النووي رحمه الله:
" وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لا تَجُوزُ صَلاةُ رَجُلٍ بَالِغٍ وَلا صَبِيٍّ خَلْفَ امْرَأَةٍ . . . وَسَوَاءٌ فِي مَنْعِ إمَامَةِ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَالِ صَلاةُ الْفَرْضِ وَالتَّرَاوِيحِ , وَسَائِرُ النَّوَافِلِ , هَذَا مَذْهَبُنَا , وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ - رحمهم الله , وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ التَّابِعِينَ , وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد" انتهى من " المجموع" (4/152).
ثانياً:
الأطفال يمكن تدريبهم على صلاة الجماعة بجعل أحد الأطفال الذكور يؤمهم، ما داموا في عمر التمييز، وتراقبين أنت الصلاة، وتصححين لهم ما يقع منهم من خطأ.
فعن عمرو بن سلمة الجرمي قال : قدم أبي من عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (إذا حضرت الصلاة فليؤمكم أكثركم قرآنا) , قال فنظروا فلم يجدوا أحداً أكثر مني قرآنا فقدموني وأنا ابن ست أو سبع سنين . رواه البخاري (3963).
قال ابن حجر رحمه الله:
"وإلى صحة إمامة الصبي ذهب أيضا الحسن البصري والشافعي وإسحاق" انتهى من "فتح الباري" (2/ 186).
ثالثاً:
أما المسألة التي أشرتِ إليها بأنه إذا صلى اثنان وظنّ كل منهم أنه إمام للآخر صحت صلاتهما.
فهذا مسألة نص عليها فقهاء الشافعية بناء على وجوب نية الاقتداء لصحة صلاة الجماعة.
قال العز بن عبد السلام رحمه الله:
"وإِن صلَّى اثنان يَظنُّ كل واحدٍ منهما أنَّه إِمام للآخر، صحَّت صلاتهما، وإِن أشكل على كلِّ واحد منهما هل هو إِمام للآخر أم مقتدٍ به؟ لم تصحَّ صلاةُ واحد منهما؛ لأنَّه لا يدري أيتابع أم يَستقِل؟" "الغاية في اختصار النهاية" (2/ 131).
وقال أبو الحسين العمراني:
"فإن صلَّى رجلان في مكان واحد، واعتقد كل واحد منهما أنه مؤتم بالآخر. . لم تصحَّ صلاتهما؛ لأن كل واحدٍ منهما ائتم بمن ليس بإمام.
فإن اعتقد كل واحد منهما أنه إمام للآخر. . صحَّت صلاتهما؛ لأن كل واحد منهما يُصلي لنفسه، ولا يتبع غيره.
وإن فرغا من الصلاة، فشكَّ كل واحد منهما أنه كان الإمام أو المأموم. . لم تصح صلاتهما؛ لأن كل واحدٍ منهما لا يدري هل صحت صلاته، أم لا؟ لأنه إن كان إمامًا. . صحَّت صلاته، وإن كان مأمومًا. . لم تصح صلاته؛ لجواز أن يكون قد نوى الاقتداء بمن ليس بإمام.
وهكذا: لو طرأ الشَّكَّ عليه في أثناء الصلاة أنه إمامٌ، أو مأمومٌ. . بطلت صلاته؛ لأنه لا يدري أنه تابع، أو متبوعٌ" "البيان في مذهب الإمام الشافعي" (2/ 368).
أما الحنابلة فيشترطون نية الإمامة بكل حال، خلافاً للجمهور. انظر: "الإنصاف" (3/ 374).
انظر: "أحكام الإمامة والائتمام في الصلاة" للشيخ عبد المحسن المنيف (200_206).
والمسألة المذكورة مسألة نظرية بعيدة الحدوث، ولكن جرت عادة الفقهاء على طرح مثل هذه المسائل الافتراضية لمجرد وجود احتمال عقلي في المسالة، ولتدريب طالب العلم على معالجة القضايا الاحتمالية، حيث تعزز مثل هذه المسائل الملكة الفقهية.
وهذه المسألة لا علاقة لها بما أشكل عليك من بطلان صلاة الإمام إذا نوى الإمامة بمن يعلم بطلان صلاته، وسيأتي بيانها.
رابعاً:
أما المسألة الأخيرة في سؤالك وهي هل تبطل صلاة الإمام إذا صلى بمن لا تصح صلاته.
فقد ذهب بعض الحنابلة إلى بطلان صلاة الإمام إذا صلى بمن لا تصح صلاته، مطلقاً.
وفي رواية رجحها ابن قدامة: أنه إذا علم وهو في الصلاة، واستمر بنية الإمامة: تبطل صلاته. وأما إذا نوى أن يتحول إلى منفرد، فصلاته صحيحه.
قال ابن قدامة رحمه الله:
"فصل: إذا وُجد المُبطل في المأموم دون الإمام، مثل أن يكون المأموم محدِثا أو نجسا، ولم يعلم بذلك إلا بعد فراغه من الصلاة، أو سبَقَه الحدث في أثناء الصلاة، أو ضحك أو تكلم أو ترك ركنا، أو غير ذلك من المبطلات، ولم يكن مع الإمام من تنعقد به الصلاة سواه: فقياس المذهب أن حكمه كحكم الإمام معه في ما فصلناه؛ لأن ارتباط صلاة الإمام بالمأموم، كارتباط صلاة المأموم بالإمام، فما فسد ثَمَّ، فسد ههنا، وما صح ثَم، صح ههنا. والله أعلم.
قال أحمد، رحمه الله، في رجلين أم أحدهما صاحبه، فشم كل واحد منهما ريحا، أو سمع صوتا يعتقد أنه من صاحبه؛ وكل يقول ليست مني: يتوضآن جميعا، ويصليان؛ إنما فسدت صلاتهما، لأن كل واحد منهما يعتقد فساد صلاة صاحبه، وأنه صار فذا.
وهذا على الرواية التي تقول بفساد صلاة كل واحد من الإمام والمأموم بفساد صلاة صاحبه لكونه صار فذا.
وعلى الرواية المنصورة: ينوى كل واحد منهما الانفراد، ويُتم صلاته.
ويحتمل أنه إنما قضى بفساد صلاتهما، إذا أتما الصلاة على ما كانا عليه من غير فسخ النية، فإن المأموم يعتقد أنه مؤتم بمحدِث، والإمام يعتقد أنه يؤم محدثا.
وأما الوضوء فلعل الإمام أحمد، رحمه الله، إنما أراد بقوله: يتوضآن: لتصح صلاتهما جماعة. إذ ليس لأحدهما أن يأتم بصاحبه أو يؤمه، مع اعتقاد حدثه، ولعله أمر بذلك احتياطا، أما إذا صليا منفردين، فإنه لا يجب الوضوء على واحد منهما؛ لأن يقين الطهارة موجود في كل واحد منهما، والحدث مشكوك فيه، فلا يزول اليقين بالشك " انتهى من "المغني" (2/ 511).
أما عند المذاهب الأخرى: فإذا صلى بمن لا تصح صلاته، سواء ابتداء، أو بعد علمه في أثنائها فصلاة الإمام صحيحة؛ لأنهم لا يشترطون نية الإمامة.
ولم نقف على نص في الموضوع عند المذاهب الأخرى سوى نص عند الأحناف، ولكن من خلال نصوصهم العامة بأن الإمام لا تلزمه نية فكأن صلاته منفكة عن المأموم.
الأحناف:
جاء في "اللباب في الجمع بين السنة والكتاب" (1/ 264):
"وَصَلَاة الإِمَام لَيست بمتعلقة بِصَلَاة الْمَأْمُوم، وَلِهَذَا لَا يلْزمه نِيَّة الْإِمَامَة، فَإِذا بطلت صَلَاة الْمَأْمُوم، لم تبطل صَلَاة الإِمَام، لعدم تعلقهَا بهَا".
وأيّا كان الأمر: فإنه لا ينبغي لأحد أن ينوي الإمامة بمن لا تصح صلاته ابتداء، خشية أن يكون هذا من العبث في العبادة وهو أمر في غاية الخطورة.
والله أعلم.