أولاً:
المراد بالاحتشاء عند أهل العلم هو إدخال المرأة قطنة أو نحوه داخل باطن الفرج، وقد تقرر في فتوى سابقة (313420) أنه لا يجب على المستحاضة فعل ذلك للتحقق من خروج الدم، لأن إدخال الشيء في الفرج ناقض للوضوء عند خروجه مبللًا، لكونه من الباطن لا من الظاهر، كما هو متقرر عندهم.
ثانياً:
أما الاحتشاء لمنع نزول الدم، فقد ذهب جمع من أهل إلى وجوبه، واستدلوا بحديث حمنة بنت جحش وفيه: فقلت: يا رسول الله، إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها، قد منعتني الصلاة والصيام، قال: (أنعتُ لك الكرسف؛ فإنه يذهب الدم)، قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فتلجمي). قالت: إنما أثج ثجًّا....الحديث" رواه أبو داود (287) وحسنه الألباني.
قال النووي رحمه الله:
«فتغسل المستحاضة فرجها قبل الوضوء أو التيمم، وتحشوه بقطنة أو خرقة، دفعًا للنجاسة وتقليلًا، فإن اندفع به الدم، وإلا شدت مع ذلك خرقة في وسطها، وتلجمت بأخرى مشقوقة الطرفين.
فكل هذا واجب؛ إلا أن تتأذى بالشد، أو تكون صائمة، فتترك الحشو، وتقتصر على الشد» روضة الطالبين وعمدة المفتين (1/ 137).
وقال ابن قدامة رحمه الله:
فالمستحاضة تغسل المحل، ثم تحشوه بقطن أو ما أشبهه، ليرد الدم؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لحمنة، حين شكت إليه كثرة الدم: "أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم" . فإن لم يرتد الدم بالقطن، استثفرت بخرقة مشقوقة الطرفين، تشدها على جنبيها ووسطها على الفرج، وهو المذكور في حديث أم سلمة "لتستثفر بثوب" . وقال لحمنة: "تلجمى". لما قالت: إنه أكثر من ذلك. فإذا فعلت ذلك، ثم خرج الدم، فإن كان لرخاوة الشد، فعليها إعادة الشد والطهارة، وإن كان لغلبة الخارج وقوته وكونه لا يمكن شده أكثر من ذلك، لم تبطل الطهارة؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، فتصلى ولو قطر الدم، قالت عائشة: اعتكفت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- امرأة من أزواجه، فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلى. رواه البخاري، وفي حديث: "صلي وإن قطر الدم على الحصير" انتهى من المغني لابن قدامة (1/ 421 ت التركي):
ثالثاً:
استثنى الفقهاء في وجوب الاحتشاء: ما إذا كان الاحتشاء يسبب ضررا، أو كان في نهار رمضان، بناء على أن داخل الفرج من الجوف الذي لا يجوز إدخال شيء إليه حال الصيام.
قال الخطيب الشربيني رحمه الله:
"تشده - يعني فرجها - بعد غسله بخرقة مشقوقة الطرفين، تخرج أحدهما من أمامها والآخر من خلفها، وتربطهما بخرقة تشدها على وسطها كالتكة، فإن احتاجت في رفع الدم أو تقليله إلى حشو بنحو قطن، وهى مفطرة، ولم تتأذَّ به، وجب عليها أن تحشو قبل الشد والتلجم، وتكتفي به، إن لم تحتج إليهما، أما إذا كانت صائمة أو تأذت باجتماعه فلا يجب عليها الحشو" انتهى من مغني المحتاج (1/ 111).
قال الحافظ العراقي رحمه الله:
"قولهم في المستحاضة: (وتعصبه) فيه أمران:
أحدهما: أن محل وجوب التعصيب: إذا لم تتأذ باجتماع الدم، فإن تأذت به .. فلا تعصب، وتصلي مع السيلان.
ثانيهما: أن التعصيب إنما هو بعد حشو الفرج بقطنة أو نحوها، إذا لم يندفع الدم بالحشو، كذا في "الشرح" و"الروضة"، وفي "الكفاية" عكسه؛ أي: إن لم يندفع بالعصابة .. حشته، ويستثنى من الحشو: إذا كانت صائمة .. فلا تحشوه نهارًا، قاله الرافعي" انتهى من تحرير الفتاوي (1/ 194).
وقال ابن حجر الهيتمي رحمه الله:
"المستحاضة: حيث أمرت بالصلاة، بلا غسل، أو به: تتوضأ كسلس البول في وقت الصلاة، بعد أن تغسل فرجها، ثم تحشوه بنحو قطن طاهر.
ثم: إن كان لم يمنع الدم كله، عصبت عليه بعصابة، إن كان لم يؤذها الدم.
فإن كانت صائمة: كفت العصابة عن الحشو» انتهى الفتاوى الفقهية الكبرى (1/ 94):
وهذا الاستثناء في حال الصيام يدل على أنّ هذا الوجوب ليس متحتمًا، وإنما المطلوب أصالة: إيقاف انتشار الدم، بدليل أن الأمر الذي جاء في أكثر الأحاديث هو الاستثفار وليس الاحتشاء.
وفي "الصحيحين": ثبت أمر المستحاضة بغسل الدم، ولم يأمرها بغيره.
فعن عائشة قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ، فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي) رواه البخاري (226) ومسلم (333).
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لِتَنْظُرْ عِدَّةَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيهِ رواه أبو داود (274) وصححه الالباني.
وفي كون الاحتشاء مفطرا خلاف بين العلماء سبق بيانه وترجيح عدم الفطر، ينظر (312710)، (601858)، (293912)، (627248)
والله أعلم