أولاً:
أختلف أهل العلم في حكم صيام الست من شوال قبل قضاء ما عليه من صيام رمضان.
فذهب الجمهور-الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة- إلى جواز صيام الست من شوال قبل القضاء؛ لأن وقت القضاء موسع إلى شعبان من السنة المقبلة.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيَ إلا في شعبان"؛ البخاري (1950) ومسلم (1146).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
«يجوز أن يتطوع قبل القضاء؛ لأن عائشة أخبرت أنها كانت تقضي رمضان في شعبان، ويبعد أن لا تكون تطوعت بيوم، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم، وكان يصوم يوم عرفة وعاشوراء، وكان يكثر صوم الاثنين والخميس، وكان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر.
ولأن القضاء مؤقت [=يعني: أن وقته إلى رمضان المقبل]؛ فجاز التنفل قبل خروج وقته؛ كما يجوز التنفل أول وقت المكتوبة» انتهى من "شرح عمدة الفقه/ كتاب الصيام" (1/ 358).
قال زكريا الأنصاري رحمه الله:
"قوله: (وستة من شوال): أطلق. وقضيته: استحباب صومها لكل أحد، سواء أصام رمضان أم لا، كمن أفطر لعذرِ صِبا أو مرض أو جنون أو سفر أو غيرها" انتهى من "أسنى المطالب" (1/ 431).
"حاشية البجيرمي" (2/ 406): وقد يقال التبعية تشمل التقديرية لأنه إذا صام رمضان بعدها، وقع عما قبلها تقديرا، أو التبعية تشمل المتأخرة كما في نفل الفرائض التابع لها.
ومما استدل به الجمهور:
حديث ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ، مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) رواه ابن ماجه (1715) وصححه الألباني.
قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله:
"وتقع الست من شوال، إذا كان الإنسان عليه قضاء من رمضان، فلو أخر قضاء رمضان ولم يصمه، وصام ستاً من شوال قبل فإنه يجزئه، ويحصّل هذه الفضيلة والخير؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام: (من صام رمضان) خرج مخرج الغالب، يعني على الأصل من صيامه، أو يقال: إن قوله: (من صام رمضان) يشمل صيام رمضان بعينه وصيام القضاء.
وقال بعض العلماء، كما هو مذهب طائفة من الحنابلة والشافعية: لا يجزئ أن يصوم الست قبل صيام رمضان؛ وذلك لأنه لم يصم رمضان؛ ولأنه لا يتأتى منه أن يتنفل وعليه فريضة" انتهى من "شرح زاد المستقنع - الشنقيطي" (107/ 5 بترقيم الشاملة).
وعليه: فإن صيامك الست من شوال قبل القضاء قد وقع في محله عند جماهير أهل العلم.
وإذا كان النظر في اختلاف أهل العلم في جواز صيام الست قبل قضاء رمضان، معتبرا، معروفا، والنظر فيه قبل انقضاء شوال مفهوم، ليقدم الصائم ما هو الأفضل، فإن من صامها قبل علمه بالخلاف، كما يصومها الناس: يرجى أن يكون نال أجر ذلك، حتى ولو عمل بالقول الآخر بعد ذلك، لأن هذا عمل بما أمكنه، وما بلغه علمه؛ وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع.
ثانياً:
ذهب بعض أهل العلم إلى أن صيام الست من شوال لا يقع إلا بعد قضاء رمضان.
وقد سبق بيان هذا القول مفصلا بما يغني عن إعادته فيرجع إليه في الفتوى: (40389).
فإن وقع القضاء على كل شوال فاختلف أصحاب هذا القول.
1. فمنهم من قال من فاتته لعذر، صامها في ذي القعدة أو بعد حسب زوال العذر.
وعلى هذا القول؛ فإن بقي من شوال بعد القضاء ما يسع لصيام الست فيصومها فيه، وإن استوعب القضاء شوال، كحال النفساء أو من سافر كل شهر رمضان أو أكثره ونحوهما، فصامها في ذي القعدة أو بعده، حسب انتهاء ما عليه من صيام رمضان؛ فنرجو أن يكون قد أصاب خيرا.
قال ابن مفلح رحمه الله:
"ويتوجه احتمال: تحصل الفضيلة بصومه في غير شوال، وفاقا لبعض العلماء، ذكره القرطبي، لأن فضيلتها كون الحسنة بعشر أمثالها، كما في خبر ثوبان، ويكون تقييده بشوال لسهولة الصوم لاعتياده2 رخصة، والرخصة أولى" انتهى من "الفروع وتصحيح الفروع" (5/ 86).
وما أشار إليه ابن مفلح من كلام أبي العباس القرطبي فيه توسعة حيث قال:
"لو صام هذه الستة في غير شوال لكانت إذا ضُمَّت إلى صوم رمضان صيام الدَّهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، كما ذكره في الحديث، وإنما خصَّ شوال بالذكر لسهولة الصوم فيه؛ إذ كانوا قد تعودوه في رمضان" انتهى من "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (3/ 238).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
"إن صامها في غير شوال لعذر حصل له الأجر، وإن صامها في غير شوال لغير عذر كما لو أخرها، فإنه لا تحصل له فضيلة صيام الستة" انتهى من "التعليق على رسالة حقيقة الصيام" (ص209 بترقيم الشاملة).
2. ومنهم من قال سنة فات محلها، ومن حبس عن طاعة اعتاد عليها كتب له أجرها.
قال البهوتي رحمه الله:
" ولا تحصل الفضيلة بصيامها أي: الستة أيام في غير شوال، لظاهر الأخبار" انتهى.
وهذا القول بأن فضيلة صيام الست، مقيد بصيامها في شوال: أشبه. وإن كان يرجى لمن صام ستا بعد ذلك: أن يكون قد أصاب خيرا، وأدرك فضيلة، وصيام النفل، ولو مطلقا: عبادة عظيمة مرجوة في كل وقت.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله:
ولا يشرع قضاؤها بعد انسلاخ شوال؛ لأنها سنة فات محلها، سواء تركت لعذر أو لغير عذر انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز " (15/ 389).
وقال:
"صيام الأيام الستة من شوال عبادة مستحبة غير واجبة، فلك أجر ما صمت منها ويرجى لك أجرها كاملة إذا كان المانع لك من إكمالها عذرا شرعيا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل مقيما صحيحا (1) . رواه البخاري في صحيحه. وليس عليك قضاء لما تركت منها" انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز" (15/ 395).
والحاصل:
أنه لا حرج، إن شاء الله، على من صام الستة الأيام التي في شوال، قبل قضاء ما عليه، لا سيما إن كان عليه قضاء أيام عديدة، لمرض، أو حيض المرأة أو نفاسها. وتشوف الشارع للإكثار من النوافل، والتوسعة فيها: أصل معروف من تصرفات الشرع، مقرر في أشباه ذلك.
والله أعلم.