لم يظهر في سؤالك محل الإشكال الذي لديك، فالسياقان في السورتين الكريمتين متوافقان، لا تعارض بينهما؛ كل ما في الأمر أن أحد السياقين أكثر تفصيلا من الآخر.
أما قوله تعالى: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ) في سور الحاقة فهذا ذكر لسحبه من موقف الحساب إلى النار. وذكرت فيها الحالة إجمالاً؛ بأنه تؤمر الملائكة أن تغله إلى الجحيم.
قال ابن كثير رحمه الله:
"أي: يأمر الزبانية أن تأخذه عنفا من المحشر، فتغله، أي: تضع الأغلال في عنقه، ثم تورده إلى جهنم فتصليه إياها، أي: تغمره فيها" انتهى من "تفسير ابن كثير" (8/ 216).
وهذا كثير في القرآن الكريم أن يذكر الإجمال في مواطن والتفصيل في مواطن أخرى، فتجد تارة التفصيل في العذاب والنعيم، وتارة يذكره إجمالاً، وتارة يذكر بعض صورة وتارة يذكر البعض الآخر.
وأما سياق الحال في سورة غافر، فقال الله تعالى: (أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصۡرَفُونَ * ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلۡكِتَٰبِ وَبِمَآ أَرۡسَلۡنَا بِهِۦ رُسُلَنَاۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ * إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ * فِي ٱلۡحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسۡجَرُونَ) غافر:/69-72.
وهذا السياق أكثر تفصيلا، لما يقع عليهم من السحب والإهانة والتعذيب، كما سبق الإشارة إليه.
قال ابن كثير رحمه الله: "وقوله: إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل أي: متصلة بالأغلال، بأيدي الزبانية يسحبونهم على وجوههم، تارة إلى الحميم وتارة إلى الجحيم؛ ولهذا قال: يسحبون. في الحميم ثم في النار يسجرون ، كما قال: هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن [الرحمن: 43، 44] . وقال بعد ذكره أكلهم الزقوم وشربهم الحميم: ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم [الصافات:68]" انتهى من "تفسير ابن كثير" (7/ 157).
وقال الرازي رحمه الله:
"المعنى: أنه يكون في أعناقهم الأغلال والسلاسل، ثم يسحبون بتلك السلاسل في الحميم، أي في الماء المسخن بنار جهنم ثم في النار يسجرون" انتهى من "تفسير الرازي" (27/ 532).
وقال: "يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون: أي يكون لهم سحب في حَمْوَة النار، ثم بعد ذلك يكون لهم إدخال ..
جاز أن يكون في كل زمان يتولى أمرهم ملائكة، فإلى النار يدفعهم ملك، وفي النار يسحبهم آخر" "تفسير الرازي" (28/ 204).
على أن يجوز أن تكون (ثم) لترتيب مراحل العذاب، بحسب رتبها في الشدة، وليس بحسب وقوعها الزماني.
قال الطاهر بن عاشور رحمه الله:
«وجملة يسحبون في الحميم حال من ضمير أعناقهم أو من ضمير يعلمون. والسحب: الجر، وهو يجمع بين الإيلام والإهانة. والحميم: أشد الحر.
و (ثم) عاطفة جملة في النار يسجرون على جملة يسحبون في الحميم.
وشأن (ثم) إذا عطفت الجمل، أن تكون للتراخي الرُّتْبِي، وذلك أن احتراقهم بالنار أشد في تعذيبهم من سحبهم على النار، فهو ارتقاء في وصف التعذيب الذي أجمل بقوله: (فسوف يعلمون).
والسجر بالنار: حاصل عقب السحب، سواء كان بتراخ، أم بدونه» انتهى من "التحرير والتنوير" (24/203).
وبكل حال؛ فليس بين الآيتين تعارض ما؛ بل إحداهما فصلت، ما أجمل في الأخرى.
والله أعلم.