من جاوز أحد المواقيت المكانية للحج أو العمرة غير محرم، وهو ينوي النسك، فقد خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ويجب عليه الرجوع إلى الميقات للإحرام منه، لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ. رواه البخاري (1524) ومسلم (1181).
وقد اختلف أهل العلم في تحديد الميقات الذي يجب عليه أن يعود إليه على أقوال:
القول الأول: أنه يلزمه أن يعود إلى أول ميقات مر به مريدا للنسك، سواء كان ذلك الميقات هو ميقاته الأصلي كذي الحليفة للمدني، أو ميقاته الفرعي كذي الحليفة للشامي، أو لم يكن في حقه أصليا ولا فرعيا كذي الحليفة للعراقي والنجدي. وهذا مذهب الحنابلة:
قال ابن قدامة -رحمه الله-: "من سلك طريقا فيها ميقاتٌ: فهو ميقاته، فإذا حج الشامي من المدينة فمر بذي الحليفة فهي ميقاته، وإن حج من اليمن فميقاته يلملم، وإن حج من العراق فميقاته ذات عرق.
وهكذا: كلُّ من مر على ميقات غير ميقات بلده، صار ميقاتا له.". انتهى، من المغني (3 /249-250).
وقال البهوتي -رحمه الله- في كشاف القناع (2/ 404): " (ومن جاوزه) أي: الميقات (يريد النسك)، بلا إحرام، (أو كان النسكُ فرضَه)، بأن لم يحج أو يعتمر، (ولو) كان (جاهلا) بالميقات أو الحكم، (أو ناسيا لذلك، أو مكرهًا: لزمه أن يرجع) إلى الميقات (فيحرم منه)؛ لأنه واجبٌ، أمكنه فعله: فلَزِمه، كسائر الواجبات.
(ما لم يخف فوات الحج، أو يخف) فوات (غيره)، كخوفه على نفسه أو أهله أو ماله.
(فإن رجع) إلى الميقات (فأحرم منه، فلا دم عليه)؛ لأنه أتى بالواجب عليه، كما لو لم يجاوزه ابتداء.
(وإن أحرم دونه) أي: الميقات (من موضعه أو غيره، لعذر أو غيره: فعليه دم)؛ " انتهى.
القول الثاني: أنه يخير بين الرجوع إلى ميقاته الذي مرَّ به أولا، والرجوع إلى ميقاته الأصلي – إن كان له ميقات أصلي-، كالشامي يقدم من المدينة، فله أن يعود إلى ذي الحليفة، وله الإحرام من الجحفة. وهو مقتضى مذهب المالكية.
جاء في شرح مختصر خليل للخرشي (2 /303) : "واستثنى أهل المذهب: مَنْ ميقاتُه الجحفةُ، يمرُّ بذي الحليفة؛ فلا يجب إحرامه منها لمروره على ميقاته بعدُ. أشار إلى ذلك بقوله: (ص) إلا كمصري يمر بذي الحليفة (ش) يعني: أنه إذا كان ميقاته بين يديه، كالشامي والمغربي والمصري، فإنه إذا مر بذي الحليفة: فالأفضل له أن يحرم منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم منه. ويجوز له أن يؤخر إحرامه إلى ميقاته الذي هو الجحفة. وإليه أشار بقوله: (فهو أولى)..
وإنما اختص المصري وشبهه بذلك؛ لأنه يمر بميقاته، أو يحاذيه، ولهذا إذا لم يُرِدْ أن يمر به، ولا أن يُحاذيه: فإنه يجب عليه الإحرام من الحليفة، كما يجب إحرام النجدي والعراقي واليمني، وسائر أهل البلدان سوى المصري والمغربي والشامي، إذا مر بالحليفة= أن يُحرم منها؛ إذ لا يتعدونها إلى ميقات لهم".
والميقات الأصلي لا يختص بالمواقيت المعينة المسماة، بل تشمل الميقات الذي وجب الإحرام منه، إذا كان مريد النسك ساكنا دون المواقيت.
قال الحطاب الرعيني: "من كان منزله دون الميقات، وسافر لما وراء الميقات، ثم أتى مريدا لدخول مكة= فهذا له أن يُحرِم من الميقات، وله أن يؤخر إلى منزله، كما يؤخر المصري إحرامه من الحليفة إلى الجحفة.
فينظر هاهنا: إن كان يريد الحج، أخر إحرامه إلى منزله إن شاء، إذا كان منزله بغير مكة، ولا يؤخره إذا كان مسكنه مكة؛ إذ لا يدخل المكي مكة إلا محرمًا. فلما وجب عليه الإحرام قبل منزله، وجب عليه الإحرام من الميقات الذي مر به، وهو كمن لا ميقات [له]؛ لإحرامه بعده.
وإن كان هذا الداخل معتمرا: نظرتَ؛ فإن كان منزله في الحل، جاز له التأخير له [له: أي: لمنزله]. وإن كان في الحرم: لم يجز؛ كالمكي." [ينظر: مواهب الجليل (3 /35-37)]
وجاء في طرح التثريب: "وكلام غير واحد، منهم ابن شاس وابن الحاجب المالكيان، وابن قدامة الحنبلي: يقتضي ما ذكرتُه؛ من أن الخلاف إنما هو فيمن له ميقات بين يديه، كالشامي يمر بذي الحليفة: هل له مجاوزتها إلى الجحفة؟
أما المدني: فليس له ذلك قطعا، وكذلك اليمني ونحوه.
وجعل ابنُ عبد البر الخلافَ في الجميع، ومثَّل لموضع الخلاف بمجاوزة المدني ذا الحليفة. وهو ظاهر كلام ابن المنذر أيضا. وكذا صرح به شارح القدوري محمود بن رمضان. فينبغي تحقيق ذلك". انتهى، من طرح التثريب (5 /2-9).
القول الثالث: أنه يخير بين الرجوع إلى ميقاته الذي مرّ به أولا، والرجوع إلى ميقات آخر، يساويه في المسافة أو أبعد منه، كمن جاء من جهة قرن المنازل فله الرجوع إليه أو الرجوع إلى الحجفة. وهو مذهب الشافعية
قال الماوردي: "لو أن رجلا مر بميقات بلده ولم يحرم منه، وأحرم من ميقات غير بلده، نُظِر: فإن كان الميقات الذي أحرم منه مثلَ ميقات بلده أو أبعد منه، كالعراقي إذا مر بذات عرق فلم يحرم بها، حتى عرج على ذي الحليفة، فأحرم منها أجزأه، ولا دم عليه. وإن كان الميقات الذي أحرم منه أقرب، وميقات بلده أبعد منه، كالمدني إذا مر بذي الحليفة، فلم يحرم منها حتى عرج على ذات عرق، فأحرم منها، فعليه دم" الحاوي الكبير (5/90-91).
وينظر أيضا: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (3/ 261)
بل أطلق القول في تحفة المحتاج (4/ 45) أنه : "إن [كان] مثلَ مسافة الميقات: يجزئ العود إليها، وإن لم تكن ميقاتا".
القول الرابع: أن له الرجوع إلى أي ميقات، سواء رجع للميقات الذي تركه، أو إلى أبعد، أو إلى أقرب منه. وهو مذهب الحنفية.
جاء في فتح القدير (3 /109): "ظاهر الرواية: أنه لا فرق بين أن يرجع إلى ميقاته، أو إلى ميقات آخر من مواقيت الآفاقيين.
وعن أبي يوسف: إن كان الذي رجع إليه محاذيا لميقاته، أو أبعد منه: فكميقاته. وإلا؛ لم يسقط الدم بالرجوع إليه.
والصحيح ظاهر الرواية؛ لما قدمناه أن كلا من المواقيت ميقاتٌ لأهله، ولغير أهله؛ بالنص، مطلقا، بلا اعتبار المحاذاة".
وقال ابن نجيم: "وأطلق في العود؛ فشمل ما إذا عاد إلى الميقات الذي جاوزه غيرَ محرم، أو إلى غيره؛ أقرب أو أبعد؛ لأن المواقيت كلها سواء في حق الإحرام. والأولى أن يحرم من وَقْته. كذا في المحيط". انتهى، من البحر الرائق (3 /52).
وقوله: "وقته": أي ميقاته المكاني.
وجاء في شرح مختصر الطحاوي للجصاص (2/ 516):
"قال أبو جعفر: (ومن مر بميقات من هذه المواقيت، فجاوزه غيرَ محرم، ثم رجع إلى وقت غيره، فأحرم منه قبل أن يقف بعرفة: سقط عنه الدم). وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: هُن لأهلهن، ولمن مر عليهن من غير أهلهن، ممن يريد الحج أو العمرة".
ويحسن هنا أن ننقل كلاما نفيسا لابن دقيق العيد في تحليل سبب بعض هذا الخلاف حيث يناقش قول المالكية قائلا:
"إن قوله (ولمن أتى عليهن من غير أهلهن): عام فيمن أتى، يدخل تحته: مَن ميقاتُه بين يدي هذه المواقيت التي مر بها، ومَن ليس ميقاته بين يديها.
وقوله (ولأهل الشام الجحفة): عام بالنسبة إلى من يمر بميقات آخر أو لا.
فإذا قلنا بالعموم الأول: دخل تحته هذا الشامي الذي مر بذي الحليفة، فيلزم أن يحرم منها.
وإذا عملنا بالعموم الثاني - وهو أن لأهل الشام الجحفة - دخل تحته هذا المار أيضا بذي الحليفة، فيكون له التجاوز إليها [أي: إلى الجحفة]، فلكل واحد منهما عموم من وجه. فكما يحتمل أن يقال (ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) مخصوص بمن ليس ميقاته بين يديه، يحتمل أن يقال: (ولأهل الشام الجحفة) مخصوص بمن لم يمر بشيء من هذه المواقيت". ينظر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (2/ 48).
وجاء في طرح التثريب، لابن العراقي (5 /8) مناقشةٌ لكلام ابن دقيق العيد: "وَلَوْ سَلَكَ- أي ابن دقيق العيد- مَا ذَكَرْته أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ سَفَرِهِمْ، وَمَرَّ عَلَى مِيقَاتِهِمْ: لَمْ يَرِدْ هَذَا الْإِشْكَالُ، وَلَمْ يَتَعَارَضْ هُنَا دَلِيلَانِ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِيقَاتٌ لِأَهْلِ بَلَدِهِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ سَكَنِهِ، كَالْيَمَنِيِّ يَحُجُّ مِنْ الْمَدِينَةِ= لَيْسَ لَهُ مُجَاوَزَةُ مِيقَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ غَيْرَ مُحْرِمٍ. وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ: سُكَّانَهَا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِأَهْلِهَا: مَنْ حَجَّ مِنْهَا، وَسَلَكَ طَرِيقَ أَهْلِهَا. وَلَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى سُكَّانِهَا لَوَرَدَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ وَحَصَلَ الِاضْطِرَابُ فِي هَذَا. فَنُفَرِّقُ فِي الْغَرِيبِ الطَّارِئِ عَلَى الْمَدِينَةِ مَثَلًا، بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِيقَاتٌ لِأَهْلِ بَلَدِهِ أَمْ لَا؟ فَنَحْمِلُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ تَارَةً عَلَى سُكَّانِهَا، وَتَارَةً عَلَى سُكَّانِهَا وَالْوَارِدِينَ عَلَيْهَا. وَيَصِيرُ هَذَا تَفْرِيقًا بِغَيْرِ دَلِيلٍ. وَإِذَا حَمَلْنَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، لَمْ يَحْصُلْ فِي ذَلِكَ اضْطِرَابٌ، وَمَشَى اللَّفْظُ عَلَى مَدْلُولٍ وَاحِدٍ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وقال ابن مفلح " قوله عليه السلام في خبر ابن عباس (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهلُ مكة من مكة): يعم مَن ميقاتُه بين يدي هذه المواقيت التي مر بها، ومن لا. وقوله: (لأهل الشام الجحفة): يعم من مر بميقات آخر أو لا. والأصل عدم الوجوب". انتهى، من "الفروع وتصحيح الفروع" (5/ 301).
والذي يظهر – بعد النظر في مذاهب العلماء، وتوجيهاتهم، وأقوال الأئمة – أن الأولى بالمسلم المريد للنسك أن يحتاط لدينه، ويُحرم من أول ميقاتٍ يمرّ به، إذا كان قاصدًا النسك؛ فهذا أبرأ لذمته، وأحوط لدينه، وأقرب للامتثال الظاهر لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: (هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) [متفق عليه].
لكن مع ذلك، فإن في المسألة مُتسعًا للاجتهاد يَقْوى في بعض الأحوال، خاصة في زمننا هذا، لما طرأ من أسباب قد يتعسر معها العودة إلى أول ميقات مرّ به المسافر، كالطيران المتسارع الذي قد يحاذي أكثر من ميقات دون تبيّن أو تنبيه، وقد لا يحاذي شيئا، وهي حالة لها اعتبارها عند عامة العلماء، ومع اختلاف العلماء في تعيين ضابط "المحاذاة"، وما يلزم عند حصولها، فيقع الحرج والاضطراب في تحديد الميقات الملزم به، لا سيما مع الجهل بخط السير أو خفائه.
فإذا انضاف إلى تلك المشقةِ في الرجوع لبعض مريدي النسك، أو الغموض في تحديد الميقات المتعين عليه= ضيقُ الوقتِ، فإن الأخذ بمذهب الحنفية في مثل هذه الحال فيه تيسير معتبر، وقد قوّى هذا الوجه بعض العلماء كالشيخ عبدالرحمن السعدي، فقال: "وهو ظاهر الأدلة، وخصوصًا وقد علمنا أن ترتيب هذه المواقيت لأهل الأقطار: كل ذلك لأجل السهولة على كل أحد، وباب الرخصة والتسهيلات يكون العبد فيه مخيرًا؛ يختار فيه ما هو أسهل عليه."
[ينظر: الأجوبة السعدية عن المسائل الكويتية، ص199].
ويزداد جانب النظر في الرخصة، والأخذ بالأيسر على المكلف من هذه الأقوال المعتبرة: إذا كان البحث في ذلك متعلقا بمسألة وقعت، ونازلة مضى زمنها؛ فيقوى هنا جانب الرخصة، وتصحيح العبادة التي وقعت من المكلف، على وجه معتبر، كما هو الأصل فيها، وإن كان سنحتاط في القول والنظر لمن يسأل عما عليه أن يفعله إذا استقبل نسكه.
وعليه، فمن كانت عليه مشقة ظاهرة في الرجوع إلى الميقات الذي مرّ به أولاً، أو اشتبه عليه طريقُه ومسارُه: فله أن يرجع إلى أحد المواقيت؛ ولو لم يكن هو الأبعد، أو الأول، وهو أحد الأقوال المعتبرة عند أهل الفتوى في مواضع الحرج، سيما مع احتمال عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) ، فإنه يشمل كل من أتى على ميقات، فصار كأهله، دون تعيين أول ميقات مرّ به.
والله أعلم.