وجود الإعاقة لدى اثنين من إخوة الخطيب لا يعني بالضرورة أنها وراثية، أو أنها ستنتقل إلى الأبناء، لكنه سبب وجيه للتثبت والاستشارة الطبية قبل الزواج، ثم الاستخارة والتوكل على الله.
تخشى من إصابة الأطفال بإعاقة لوجود سوابق في عائلة خطيبها، فما النصيحة؟
السؤال 561387
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وبعد، فالتعامل الصحيح مع هذا الأمر لا يكون بتجاهل هذه المخاوف، ولا بالاستسلام لها، وإنما بالنظر إليها في ضوء الشرع والعلم والتفكير النفسي المتزن.
أولًا:
الزواج اختيار للزوج وبناء لأسرة وذرية، فالزواج في الإسلام لا يقف عند العلاقة بين الرجل والمرأة، بل هو بداية لبناء أسرة يُرجى أن يرزق الله منها ذرية؛ ولذلك كان حسن الاختيار والنظر في الأمور المؤثرة في استقرار الأسرة وصحة الذرية أمرًا معتبرًا.
ومن هنا، فإن رغبتك في معرفة حقيقة الإعاقة الموجودة في أسرة خطيبك، لا تعني إساءة الظن به أو بأسرته، ولا انتقاصًا من أخيه وأخته، وإنما هي من التفكير المسؤول في أمر الزواج ومستقبل الأسرة.
ثانيًا:
الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: من الخطأ أن نقول: "كل شيء مقدر، فلا داعي للسؤال أو الفحص"، كما أنه من الخطأ المقابل أن نقول: "بما أن اثنين من إخوته لديهما إعاقة، فلا بد أن يكون هناك خطر وراثي على أطفالي"، فالمنهج الإسلامي وسط بين ترك الأسباب والاستسلام للمخاوف: نتثبت، ونستشير أهل الاختصاص، ونأخذ بالأسباب الممكنة، متوكلين على الله حق التوكل.
وعليه، فإن مراجعة المختصين وإجراء الفحوص المناسبة قبل الزواج، عند وجود تاريخ عائلي يستدعي ذلك، لا يُعدُّ ضعفًا في التوكل ولا اعتراضًا على القدر، بل هو من الأخذ بالأسباب؛ فالتوكل الصحيح أن يبذل الإنسان ما يستطيع، ثم يفوض النتائج إلى الله تعالى.
ثالثًا:
وجود الإعاقة في الأسرة لا يعني بالضرورة أنها وراثية: من المهم هنا ألا نستبق المعلومات الطبية بالاستنتاجات؛ فوجود أخ وأخت لخطيبك لديهما إعاقة، لا يكفي وحده للحكم بأن سبب الإعاقة وراثي، كما لا يعني أن خطيبك يحمل سببًا وراثيًا معينًا، فضلًا عن أن يعني إصابة أبنائكما مستقبلًا.
فالإعاقات الجسدية والذهنية لها أسباب متعددة؛ بعضها وراثي، وبعضها غير وراثي، وقد يرتبط بعضها بظروف الحمل أو الولادة، أو أمراض وإصابات أو أسباب أخرى.
لكن وجود حالتين في الأسرة، خاصة إذا كانتا متشابهتين، يجعل الاستشارة الوراثية أمرًا معقولًا ومفيدًا.
ولذلك فإن الخطوة الأدق ليست إجراء فحوص جينية عشوائية للخطيب بحثًا عن "جين الإعاقة"، وإنما معرفة التشخيص الطبي للأخ والأخت إن أمكن، وهل سبق أن أجريت لهما فحوص وراثية، ثم مراجعة طبيب متخصص في الوراثة أو عيادة للاستشارة الوراثية، وعرض التاريخ العائلي والتقارير الطبية عليه؛ ليحدد طبيعة الخطر، وما الفحوص المناسبة للخطيب، وهل توجد حاجة إلى فحوص لك أنت أيضًا.
رابعًا:
لا تجعلي الخوف يحوّل الاحتمال إلى حقيقة: وهنا يظهر الجانب النفسي في المشكلة؛ فلدينا حقيقة واحدة معلومة: أن اثنين من إخوة خطيبك لديهما إعاقة لا تعرفين سببها على وجه الدقة.
لكن العقل عندما يقلق، قد ينتقل من هذه الحقيقة إلى سلسلة من الاحتمالات: (ربما تكون الإعاقة وراثية، وربما يكون خطيبي حاملًا لها، وربما تنتقل إلى أطفالي، وربما أنجب طفلًا لديه إعاقة، وربما لا أستطيع تحمل ذلك ...) وهكذا يبدأ التفكير بحقيقة واقعة، ثم يبني عليها مستقبلًا كاملًا من الاحتمالات، حتى يصبح الإنسان خائفًا مما يتصوره وكأنه قد وقع بالفعل.
والتفكير المتزن يفرق بين الحدث وتفسيرنا للحدث، وبين الاحتمال والحقيقة. فاحتمال أن تكون الحالة وراثية، لا يعني أنها وراثية، وإذا ثبت أنها وراثية فلا يعني ذلك بالضرورة أن خطيبك يحمل العامل المسبب لها، وإذا كان حاملًا، فلا يمكن تحديد الخطر على الأبناء إلا بعد معرفة طبيعة الاضطراب ونمط انتقاله والتقييم الطبي المختص، فلا ينبغي أن نحول ما لا نعرفه إلى حقيقة مخيفة، وإنما نبحث عما يمكن معرفته، ثم نبني القرار على العلم لا على الافتراض.
خامسًا:
فرّقي بين الاحتياط المشروع، وطلب الأمان المطلق. فمن حقك أن تطلبي الاطمئنان، لكن من المهم ألا يتحول ذلك إلى اعتقاد داخلي يقول: "لن أقدم على الزواج حتى أتأكد مئة بالمئة أن أطفالي سيكونون أصحاء"= فهذا النوع من اليقين لا يستطيع الطب أن يقدمه لأي زوجين؛ إذ لا يمكن ضمان سلامة الأبناء من جميع الأمراض والإعاقات، أو ما قد يعرض لهم مستقبلًا، حتى مع عدم وجود تاريخ عائلي معروف.
لذلك يمكن استبدال الفكرة: " يجب أن أضمن أن شيئًا سيئًا لن يحدث"، بفكرة أكثر واقعية وإيمانًا: "أرجو أن يرزقني الله ذرية صحيحة معافاة، وسآخذ بالأسباب المتاحة لمعرفة المخاطر وتقليلها، ثم أقبل أن المستقبل لا يمكن ضمانه بالكامل، وأتوكل على الله".
سادساً:
انتقلي من سؤال: ماذا لو؟ إلى: ماذا أستطيع أن أفعل؟ فمن أكثر ما يغذي القلق الدوران حول أسئلة مستقبلية لا نملك إجاباتها: ماذا لو أنجبت طفلًا لديه إعاقة؟ ماذا لو ندمت بعد الزواج؟ ماذا لو كان خطيبي حاملًا لمرض وراثي؟ هذه الأسئلة إذا ظلت مجرد افتراضات، فلن تحل المشكلة، وإنما قد تزيد الخوف.
والأفضل أن تحوليها إلى أسئلة عملية: ما المعلومات التي نملكها عن حالة أخيه وأخته؟ وما المعلومات التي نحتاج إليها؟ ومن المختص الذي يستطيع تقييمها؟ وما الفحوص التي يوصي بها؟ عندئذ تنتقلين من الاجترار والقلق، إلى الفعل المسؤول.
قال الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فالإنسان مسؤول عما يستطيع فعله، وليس مطالبًا بمعرفة ما غاب عنه، أو السيطرة على المستقبل.
ومن الأمور المستطاعة أن تتحدثي مع خطيبك من منطلق المشاركة لا الاتهام، فمن حقك أن تفتحي معه هذا الموضوع، بل إن الحوار الصريح والهادئ في أمر يتعلق بمستقبل الأسرة أفضل من أن يبقى الخوف داخلك، لكن طريقة الحديث مهمة؛ فلا تجعلي الرسالة: في أسرتكم مشكلة وراثية، ونريد أن نتأكد أنك سليم، فهذا قد يشعره بأنك تنظرين إلى أسرته نظرة سلبية، بل يمكن أن تقولي له بمعنى قريب: بما أننا مقبلان على الزواج ونفكر في تكوين أسرة، أريد أن نفهم معًا سبب الحالة الموجودة عند أخيك وأختك، وهل هي وراثية أم لا، ونستشير طبيبًا مختصًا، ونجري الفحوصات الطبية المناسبة، لي ولك؛ فالأمر بالنسبة لي يتعلق بمستقبلنا معًا، وليس حكمًا عليك أو على أسرتك.
وبعد إجراء الفحص إن كانت النتائج مطمئنة، فاحمدي الله، واستمري، واحرصي على ألا تجعلي الاحتمالات المفتوحة بابًا لقلق لا ينتهي، ولا تحملي نفسك مسؤولية الغيب. فقد يقول لك القلق: "إذا تزوجتُه، ثم رزقت بطفل لديه إعاقة، فسألوم نفسي، لأنني كنت أعرف أن في أسرته حالات مشابهة"، وهذا التفكير قد يجعلك تشعرين أنك مطالبة الآن بمعرفة المستقبل حتى لا تندمي لاحقًا، بينما المسؤولية ليست بهذه الصورة.
أنت مسؤولة عن القرار في ضوء المعلومات المتاحة لك الآن. فإذا تحريت، وسألت أهل الاختصاص، وأجريت الفحوص التي أوصوا بها، وعرفت أن درجة الخطر ضعيفة، ثم اتخذت قرارك بعد المشاورة والاستخارة، فقد بذلت وسعك، قال تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا فالإنسان المؤمن يجمع بين أمرين: قبل القرار يسعى ويتثبت ويستشير، وبعد بذل السبب يعزم ويتوكل ويسلّم لله فيما لا يملك.
وإن ظهر احتمال خطر وراثي معتبر، فافهما مقداره وآثاره من المختصين، ثم اتخذا قراركما على بصيرة، وقد تكون نتيجة الاستشارة سببًا في إعادة النظر في الزواج، وليس في ذلك إساءة إلى أحد، وإنما هو قرار يتعلق بمصلحة الطرفين والذرية المستقبلية.
وإن انتهى الأمر إلى عدم إتمام الزواج، فلا تحزني على ما فاتك، ولا تنظري إلى ذلك على أنه خسارة مطلقة، أو نهاية لفرصة الخير، بل ارضي بما قدره الله، واسأليه سبحانه أن يعوضك خيرًا، وأن يعوض خطيبك خيرًا، وأن يختار لكل منكما ما هو أصلح له، ولا داعي للانزعاج أو لوم النفس؛ فما دمتما قد تحريتما، واستشرتما أهل الاختصاص، واتخذتما القرار بناءً على ما ظهر لكما من أسباب، فقد فعلتما ما تستطيعان، وما بعد ذلك فمرده إلى الله تعالى.
وقد قال سبحانه: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، فقد يتعلق الإنسان بأمر ويرى فيه سعادته، ثم يصرفه الله عنه ويجعل الخير في غيره. والمؤمن يأخذ بالأسباب ويحسن الاختيار، ثم يطمئن إلى أن ما اختاره الله له بعد بذل وسعه لن يخرج عن علمه سبحانه وحكمته.
وأخيرًا
أختنا الكريمة، المطلوب ليس أن تتخلصي من كل خوف قبل الزواج، وإنما أن تضعي الخوف في مكانه الصحيح، فالقلق يقول: "أريد أن أعرف ماذا سيحدث في المستقبل".
والتفكير المتزن يقول: "سأعرف ما يمكن معرفته، وأتعامل مع الحقائق بدل الاحتمالات".
والإيمان يعلمك: خذي بالأسباب فيما تستطيعين، وتثبتي فيما لا تعلمين، ولا تحملي نفسك مسؤولية الغيب، فإذا بذلت السبب واتخذت القرار على بصيرة، فتوكلي على الله.
نسأل الله تعالى أن يقدر لك الخير حيث كان، وأن يرزقك حسن الاختيار، والزوج الصالح، والذرية الصالحة المعافاة، وأن يملأ قلبك سكينة وطمأنينة، ويوفقك لما فيه خير دينك ودنياك.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟