هل تفسير النسيان بالترك من التأويل المذموم؟

السؤال 543490

أعيش في تركيا، وهنا يوجد كثر من أهل كلام من ماترودية، إذا كان نقول لهم لا يجوز التاويل في الصفات الله، فيجيبوننا وأنت أيضا تأولون، كصفات النسيان بمعنى ترك.
هل يجوز في الصفات الله التاويل؟ وما ضوابطه أو شروطه؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

التأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره، إلى معنى مرجوح، لدليل وقرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي.

وهذا التأويل لا يصح أن يكون في صفات الله تعالى؛ لعدم تحقق شرطه؛ إذ لا استحالة في المعنى الظاهر، ولا قرينة صارفه.

ومن ظن أن ظاهر النص محال، فقد طعن في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم؛ إذ يعني هذا أن الله يصف نفسه بما ظاهره الكفر والتشبيه، وهذا من أعظم الفرى على الله. ثم كيف يكون القرآن هدى للناس في باب العقائد وظاهره في صفات الله المحال.

ولهذا لم يثبت التأويل عن أحد من الصحابة، أو أئمة السلف، وقد حكي إجماع السلف على عدم التأويل، وينظر: جواب السؤال رقم (380377).

وحكي إجماعهم على أن الصفات ثابتة لله على الحقيقة، لا على المجاز، وينظر: جواب السؤال رقم: (151794).

ومن كلام أهل العلم في عدم تحقق شرط التأويل هنا:

قال العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله بعد ذكر شرط التأويل، كما قال المقّري:

والنص إن أوهم غير اللائق *** بالله كالتشبيه للخلائق

فاصرفه عن ظاهره إجماعا *** واقطع عن الممتنع الأطماعا

قال: " فاتضح بما ذكر أن الشرط في قول المقرئ في إضاءته:

والنص إن أوهم غير اللائق:

شرط مفقود قطعا؛ لأن نصوص الوحي الواردة في صفات الله لا تدل ظواهرها ألبتة إلا على تنزيه الله، ومخالفته لخلقه في الذات والصفات والأفعال.

فكل المسلمين الذين يراجعون عقولهم، لا يشك أحد منهم في أن الظاهر المتبادر السابق إلى ذهن المسلم هو مخالفة الله لخلقه، كما نص عليه بقوله: (ليس كمثله شيء) [42 11]، وقوله: (ولم يكن له كفوا أحد) [112 4]، ونحو ذلك من الآيات، وبذلك تعلم أن الإجماع الذي بناه على ذلك في قوله:

فاصرفه عن ظاهره إجماعا

إجماع مفقود أصلا، ولا وجود له ألبتة؛ لأنه مبني على شرط مفقود لا وجود له ألبتة.

فالإجماع المعدوم المزعوم لم يرد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله، ولم يقله أحد من أصحاب رسول الله، ولا من تابعيهم، ولم يقله أحد من الأئمة الأربعة، ولا من فقهاء الأمصار المعروفين.

وإنما لم يقولوا بذلك؛ لأنهم يعلمون أن ظواهر نصوص الوحي لا تدل إلا على تنزيه الله عن مشابهة خلقه، وهذا الظاهر الذي هو تنزيه الله لا داعي لصرفها عنه كما ترى.

ولأجل هذا كله قلنا في مقدمة هذا الكتاب المبارك: إن الله تبارك وتعالى موصوف بتلك الصفات حقيقة لا مجازا؛ لأنا نعتقد اعتقادا جازما لا يتطرق إليه شك أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها، لا تدل البتة إلا على التنزيه عن مشابهة الخلق، واتصافه تعالى بالكمال والجلال.

وإثبات التنزيه والكمال والجلال لله حقيقة لا مجازا - لا ينكره مسلم" انتهى من أضواء البيان (7/277).

وقال رحمه الله: " ولا يخفى على أحد أن الذي يقول: إن الاستواء على العرش يلزمه مشابهة الحوادث، أن إلزامه هذا اعتراض صريح على من أخبر بالاستواء، وهو الله جل وعلا.

فليعلم مدعي لزوم الباطل لظاهر آيات الصفات أن اعتراضه على ربه، ومن ظن أن ظواهر آيات الصفات دالة على اتصافه تعالى بصفات تشبه صفات الخلق: فهو جاهل مفتر، بل ظاهرها اتصافه بتلك الصفات المنزهة عن مشابهة صفات الحوادث.

ومن أوضح الأدلة على أن آيات الصفات لم يرد بها شيء من المعاني التي يحملها عليها المؤولون: أنها لو كان يراد بها ذلك، لبادر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى بيانه؛ لأنه لا يؤخِّر البيان عن وقت الحاجة إليه، كما تقرر في الأصول، ولاسيما في العقائد" انتهى من "منع جواز المجاز في المنزل للمتعبد والإعجاز" ص49

وأيضا: شرط التأويل وجود القرينة الصارفة، وليس ثمة قرينة إلا دعوى الاستحالة العقلية وهي مردودة؛ لفساد ما اعتمدوا عليه في هذه الاستحالة كدليل التركيب، ودليل حدوث الأجسام والأعراض.

وليس للمتكلم أن يتكلم بكلام فاسد لا يريد ظاهره، دون أن ينصب على تأويله قرينة ظاهرة لا تخفى على المخاطب، فإن هذا تلبيس ينافي البيان والهداية.

قال العلامة عبد الرحمن المعلمي رحمه الله: "والكلام الذي يحتمل غير الظاهر احتمالًا قريبًا، لا يُصرف عن ظاهره إلا بقرينة، ومن شرط القرينة أن يكون من شأنها أن لا تخفى على المخاطب. فإن لم يحتمل غيرَ ظاهره، أو احتمله ولا قرينةَ، فزعمُ أن ظاهره باطل تكذيبٌ له ولا بد" انتهى من آثار العلامة المعلمي (11/ 550).

ثانيا:

هناك نصوص ادعى المؤولة أن السلف قد أولوها، وليس الأمر كما ادعوا، بل هي على ظاهرها، منها تفسير النسيان بالترك.

وذلك في قوله تعالى: (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) الأعراف/51، وقوله: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) التوبة/67، وقوله: (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) السجدة/14

والنسيان من معانيه الترك.

قال ابن فارس رحمه الله: "النِّسْيان : الترك ، قال الله جَلَّ وعَزَّ : ( نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ" انتهى من مجمل اللغة، لابن فارس، ص866

وقال الإمام أحمد رحمه الله: "أما قوله: الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [الجاثية:34] ؛ يقول: نترككم في النار؛ كما نَسيتُمْ ؛ كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا" انتهى من الرد على الزنادقة والجهمية، ص192

وهل المنافق أو الكافر نسي بمعنى ذهل وغفل، أم ترك عامدا؟

فالنسيان هنا على حقيقته، في حق الله، وحق الكافر والمنافق.

وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في رؤية الله يوم القيامة: (أنَّ الله يلقى العبد، فيقول: أفظننت أنك ملاقيَّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني) رواه مسلم (2968).

وقال ابن جرير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ : "معناه: تركوا الله أن يطيعوه ويتبعوا أمره، فتركهم الله من توفيقه وهدايته ورحمته، وقد دللنا فيما مضى على أنَّ معنى النسيان: الترك ، بشواهده فأغنى ذلك عن إعادته ههنا" انتهى من تفسير الطبري (14/339).

وقد أحال ابن جرير رحمه الله على تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) الأنعام/44

قال في تفسيرها: " يعني تعالى ذكره بقوله:" (لما نسوا ما ذكروا به): فلما تركوا العمل بما أمرناهم به على ألسن رسلنا، كالذي حدثنا ... عن ابن عباس قوله: (فلما نسوا ما ذكروا به)، يعني: تركوا ما ذكروا به" انتهى من تفسير الطبري (11/ 357).

وهل يتبادر إلى ذهن أحد أنهم نسوا ما ذكروا به، على معنى السهو والغفلة؟

لو كان النسيان على هذا المعنى، لكانوا معذورين غير مؤاخذين!!

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "هل يوصف الله تعالى بالنِّسْيان؟

فأجاب: للنِّسْيَان معنيان:

أحدهما: الذهول عن شيء معلوم، مثل قوله تعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ، ومثل قوله تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا . على أحد القولين... وهذا المعنى للنسيان منتف عن الله عز وجل بالدليلين السمعي ، والعقلي.

أما السمعي: فقوله تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وقوله عن موسى: قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى . فقوله: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي مستقبلهم يدل على انتفاء الجهل عن الله تعالى، وقوله: وَمَا خَلْفَهُمْ أي ماضيهم يدل على انتفاء النسيان عنه. والآية الثانية دلالتها على ذلك ظاهرة.

وأما العقلي: فإن النسيان نقص، والله تعالى منزه عن النقص، موصوف بالكمال، كما قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وعلى هذا فلا يجوز وصف الله بالنسيان بهذا المعنى على كل حال.

والمعنى الثاني للنِّسْيَان: الترك عن علم وعمد، مثل قوله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ... الآية، ومثل قوله تعالى : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ؛ على أحد القولين، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم في أقسام أهل الخيل: ورجل ربطها تغنياً وتعففاً، ولم ينس حق الله في رقابها وظهورها، فهي له كذلك ستر.

وهذا المعنى من النِّسْيَان ثابت لله تعالى عَزَّ وجَلَّ، قال الله تعالى: فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ ، وقال تعالى في المنافقين: نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ...

وتركُه سبحانه للشيء صفةً من صفاته الفعلية الواقعة بمشيئته التابعة لحكمته، قال الله تعالى: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ، وقال تعالى: وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ، وقال: وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً .

والنصوص في ثبوت الترك وغيره من أفعاله المتعلقة بمشيئته كثيرة معلومة، وهي دالة على كمال قدرته وسلطانه.

وقيام هذه الأفعال به سبحانه لا يماثل قيامها بالمخلوقين، وإن شاركه في أصل المعنى، كما هو معلوم عند أهل السنة" انتهى من مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (1/71).

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (154464). 

فتبين بهذا أن معنى النسيان الترك، وأن النص على ظاهره، فلا تأويل.

غير أنه لما كان النسيان منقسما إلى ما ينزه الله جل جلاله عنه، وهو نسيان الذهول، والضعف والنقص، وآخر معناه: الترك؛ لم يجز إطلاق القول في حق الله جل جلاله: أنه ينسى؛ بل يجب بيان المعنى المراد؛ فيثبت لله ما هو لائق به، وينفى عنه النقص المنزه عنه، ويترك وصفه بالمجمل من الأقوال والأوصاف، التي تحتمل حقا وباطلا.

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (364434).

والله أعلم.

المراجع

الأسماء والصفات

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android