أولا:
خبر ابن عباس رضي الله عنه:
رواه عبد الرزاق في "المصنف" (5 / 297)، وابن أبي عاصم في "السنة" (1 / 258)، والطبري في"التفسير" (12 / 333)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (6 / 2005): عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنْ قَوْلِهِ: ( وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) قُلْتُ: عَلَى أَيِّ شَيءٍ كَانَ الْمَاءُ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ شَيءٌ؟ قَالَ: ( عَلَى مَتْنِ الرِّيحُ ).
وهذا الخبر من قول ابن عباس رضي الله عنه، ويحتمل أن يكون مرفوعا، ويحتمل أن يكون من أخبار أهل الكتاب.
قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:
" إسناده جيد موقوف، وليس له حكم المرفوع؛ لاحتمال أن يكون ابن عباس تلقاه عن أهل الكتاب " انتهى. "السنة لابن أبي عاصم ومعها ظلال الجنة للألباني" (1 / 258).
ثانيا:
على فرض صحة كون هذا الخبر حكمه الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلا شك أن هذه الريح مخلوقة، وعدم ذكرها في نصوص الوحي عن أول الخلق، لا يلزم منه شرعا ولا عقلا كونها غير مخلوقة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
" قالوا: وعلى لسانه أيضا قائلا: " وكان روح الله ترف على الماء".
فيقال هذا في السفر الأول "سفر الخليقة" في أوله، لما ذكر أنه في البدء خلق السماوات والأرض، وأنه كانت الأرض مغمورة بالماء، وكانت روح الله ترف على الماء، أخبر أنه كان الماء فوق التراب، والهواء فوق الماء.
وروح الله: هي الريح التي كانت فوق الماء.
هذا تفسير جميع الأمم من المسلمين واليهود وعقلاء النصارى، ولفظ الكلمة بالعبرية " روح " بضم الراء وتشديد الواو، وهي الروح، والريح تسمى روحا، وجمعها أرواح.
ولم يُرِد بذلك: أن حياة الله كانت ترِف على الماء، فإن هذا لا يقوله عاقل، فإن حياة الله صفة قائمة به لا تفارقه ولا تقوم بغيره فيمتنع أن تقوم بماء أو غيره فضلا عن أن ترف على الماء والذي يرف على الماء، جسم قائم بنفسه، وهذا إخبار عن الريح التي كانت تتحرك فوق الماء " انتهى. "الجواب الصحيح" (3 / 241).
وقد ترجم اللالكائي رحمه الله في كتابه: سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن الريح مخلوقة. انظر: "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (6/ 1271).
وترجم قِوَام السنة الأصبهاني: "فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يُنْكِرُ أَنَّ الرّيح مخلوقة". انظر: "الحجة في بيان المحجة" (1/ 508).
ثالثا:
ما ورد في حديث أبي بن كعب رضي الله عنه، كما عند النسائي في "السنن الكبرى" (10705)، وغيره: عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: ( لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِنَّهَا مِنْ نَفَسِ الرَّحْمَنِ عز وجل ).
المراد به التنفيس والتفريج.
قال ابن فارس رحمه الله تعالى:
" والنَّفَسُ: كلّ شيء يُفَرَّج به عن مكروب، وفي الحديث: ( لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ فَإِنَّهَا مِنْ نَفَسِ الرَّحْمَنِ )، يعني أنّها رَوْح يتنفّس به عن المكروبين " انتهى. "معجم مقاييس اللغة" (5 / 460).
فالريح جعل الله تعالى فيها تفريجا وتنفيسا ورحمة لعباده، كما في قوله تعالى:
( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ) الروم (46).
وقد وردت روايات أخرى لهذا الخبر تشير إلى أن ظاهر هذا الخبر يدل على أن النفس هنا ليست صفة لذات الله تعالى، وإنما المراد به التنفيس والتفريج.
كما عند الترمذي (2252): عن مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ ).
قال الترمذي: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ".
وكما روى أبو داود (5097)، وابن ماجه (3727): عَنْ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الزُّرَقِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( لَا تُسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِنَّهَا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَالْعَذَابِ، وَلَكِنْ سَلُوا اللَّهَ مِنْ خَيْرِهَا، وَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا ).
فلو كانت من صفات الله تعالى الذاتية، لما جاء في الحديث: ( وَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا )، و ( وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ ).
قال القاضي أبو يعلى الفراء رحمه الله تعالى:
"معناه أنَّ الريح مما يُفَرِّج الله عز وجل بها عن المكروب والمغموم، فيكون معنى النفس معنى "التنفيس" وذلك معروف في قولهم: نَفَّسْتُ عن فلان، أي فَرَّجْت عنه، وكلمت زيدًا في التَّنفيس عن غريمه، ويقال: نفَّس الله عن فلان كربة أي فرَّج عنه، وروي في الخبر: ( وَمَنْ نَفَّسَ عَنْ مَكْرُوبٍ كُرْبَةً نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً يَوْم الْقِيَامَةِ )، وروي في الخبر: أنَّ الله فَرَّجَ عن نبيه بالريح يوم الأحزاب، فقال سبحانه: ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ).
وإنما وجب حمل هذا الخبر على هذا، ولم يجب تأويل غيره من الأخبار، لأنَّه قد روي في الخبر ما يدل على ذلك، وذلك أنَّه قال: ( فإذا رأيتموها فقولوا اللهم إنَّا نسألك من خيرها، وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما فيها، وشرِّ ما أرسلت به )، وهذا يقتضي أنَّ فيها شرُّ وأنها مرسلة، وهذه صفات المحدثات " انتهى. "إبطال التأويلات" (ص297).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
" قلت فهذا كلام القاضي، وما ذكره فيه من كلام غيره، وقد بيّن أنه إنما تأول هذا الخبر لأن في الخبر نفسه ما دل على صحة التأويل، ومثل هذا لا نزاع فيه؛ فإنه إذا كان في الحديث الواحد، متصلا به، ما يبين معناه: فذلك مثل التخصيص المتصل.
ومثل هذا لا يقال فيه إنه خلاف الظاهر، بل ذلك هو الظاهر بلا نزاع بين الناس ... " انتهى. "بيان تلبيس الجهمية" (6 / 170).
وينظر للفائدة: "غريب الحديث" لابن قتيبة (1/291-292)، "تأويل مختلف الحديث" له أيضا (307).
الخلاصة:
الريح الوارد خبرها في بداية الخلق، إذا صح رفع خبرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلا شك ولا نزاع أنها ريح مخلوقة، كالماء.
والله أعلم.