أولا:
الجهر بالقراءة في صلاة الجمعة من السنن عند جمهور أهل العلم.
قال النووي رحمه الله تعالى:
" فأجمعت الأمة على أن الجمعة ركعتان، وعلى أنه يسن الجهر فيهما " انتهى. "المجموع" (4 / 530).
وجاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" (27 / 205):
" ذهب الجمهور إلى أنه يسن للإمام الجهر في قراءة صلاة الجمعة، وعند الحنفية يجب الجهر فيها بالقراءة، قال في البدائع: وذلك لورود الأثر فيها بالجهر، وهو ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الجمعة في الركعة الأولى سورة الجمعة وفي الثانية سورة المنافقين )؛ ولو لم يجهر لما سُمع؛ ولأن الناس يوم الجمعة فرغوا قلوبهم عن الاهتمام بأمور التجارة لعظم ذلك الجمع، فيتأملون قراءة الإمام، فتحصل لهم ثمرات القراءة، فيجهر بها كما في صلاة الليل.
وخالف بقيةُ الأئمة في وجوب الجهر، فذهبوا إلى استحبابه " انتهى.
لكن حتى على قول الأحناف بوجوب الجهر؛ فإنه يسقط بالسهو، كما صرحوا بذلك في كتبهم:
قال السرخسي رحمه الله تعالى:
" ( وَإِنْ جَهَرَ الْإِمَامُ فِيمَا يُخَافَتُ فِيهِ، أَوْ خَافَتَ فِيمَا يُجْهَرُ بِهِ= يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ)؛ لأنّ مراعاة صفة القراءة في كلّ صلاة، بالجهر والمخافتة: واجب على الإمام، فإذا ترك، فقد تمكّن النّقصان والتّغيّر في صلاته؛ فعليه السّهو " انتهى. "المبسوط" (1 / 222).
وقال الكاساني رحمه الله تعالى:
" فإن كان إماماً: يجب عليه مراعاة الجهر فيما يجهر، وكذا في كل صلاة من شرطها الجماعة، كالجمعة والعيدين والترويحات، ويجب عليه المخافتة فيما يخافت، وإنما كان كذلك، لأن القراءة ركن يتحمله الإمام عن القوم فِعلا، فيجهر ليتأمل القوم ويتفكروا في ذلك، فتحصل ثمرة القراءة وفائدتها للقوم، فتصير قراءة الإمام قراءةً لهم تقديرا؛ كأنهم قرءوا " انتهى. "بدائع الصنائع" (1 / 160).
ثم قال رحمه الله تعالى:
" فنقول: إذا جهر الإمام فيما يخافت، أو خافت فيما يجهر: فإن كان عامدا يكون مسيئا، وإن كان ساهيا فعليه سجود السهو؛ لأنه وجب عليه إسماع القوم فيما يجهر، وإخفاء القراءة عنهم فيما يخافت، وترك الواجب عمدا يوجب الإساءة، وسهوا يوجب سجود السهو " انتهى. "بدائع الصنائع" (1 / 161).
وعلى ذلك؛ فقد كان المشروع في حق الإمام: ألا يرجع بعد الركوع إلى إعادة الفاتحة والسورة جهرا، ويجزئ عن ذلك سجود السهو في نهاية الصلاة. ففي حديث عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: ( صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ، وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ: كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ سَلَّمَ ) رواه البخاري (1224)، ومسلم (570).
فلما ترك النبي صلى الله عليه وسلم التشهد الأول نسيانا، وقام إلى الركن الذي يليه، لم يعد إلى التشهد، بل أتم صلاته.
ثانيا:
تكرار الأركان في الصلاة على وجه العمد يبطلها بالاتفاق؛ لأن فيه تغييرا لهيئة الصلاة المشروعة. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:
" والزّيادات على ضربين؛ زيادة أفعال، وزيادة أقوال.
فزيادات الأفعال قسمان: أحدهما، زيادة من جنس الصّلاة، مثل أن يقوم في موضع جلوس، أو يجلس في موضع قيام، أو يزيد ركعة أو ركنا، فهذا تَبطُل الصّلاة بعمده، ويُسْجَد لسهوه، قليلا كان أو كثيرا " انتهى. "المغني" (2/426).
وقال ابن حزم رحمه الله تعالى:
" واتفقوا أنه إن سجد فيها، عامدا، ذاكرا لأنه في صلاة، غيرَ السجود المأمور به، وغير هذا السجود – أي التلاوة - وغير سجود السهو= فإن صلاته تفسد " انتهى. "مراتب الإجماع" (ص31).
ومن قرأ في الجهرية سرا فقد أتى بركن القراءة، وما تركه من الجهر هو ترك لسنة، فإذا رجع بعد الركوع إلى إعادة القراءة، ثم إعادة الركوع، فإنه يكون بهذا مكررا لما كان قد أتى به، بلا عذر شرعي، فتبطل به صلاة من فعله عمدا، عالما بعدم مشروعية ذلك.
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:
" إذا ركع، ثم رفع رأسه، فذكر أنّه لم يسبّح في ركوعه، لم يعد إلى الرّكوع، سواء ذكره قبل اعتداله قائما، أو بعده؛ لأنّ التّسبيح قد سقط برفعه، والرّكوع قد وقع صحيحا مجزئا، فلو عاد إليه، زاد ركوعا في الصّلاة غير مشروع، فإن فعله عمدا أبطل الصّلاة، كما لو زاده لغير عذر، وإن فعله جاهلا أو ناسيا، لم تَبْطُل الصّلاة، كما لو ظنّ أنّه لم يركع، ويسجد للسّهو " انتهى. "المغني" (2/192).
والرجوع إلى تسبيح المصلين، يشرع إذا لم يتقين الإمام من صواب نفسه، ويجزم به.
فإذا كان متيقنا من صواب فعله: فلا يجوز له أن يترك هذا اليقين.
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء":
" إذا كان الإمام جازما بصواب نفسه فإنه لا يجوز له أن يرجع إلى تسبيح من خلفه؛ لأن تسبيحهم له يفيد الظن، واليقين مقدم عليه ...
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الشيخ بكر أبو زيد ، الشيخ صالح الفوزان ، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الثانية" (6/32).
ولا يظهر أن مخالفة المأمومين، والخوف من لغطهم، أو ما ذكر أنه "فتنة": عذر صحيح؛ فإن المشروع والواجب: أن يتابع المأمومون إمامهم، ويأتموا به؛ وليس العكس، كما حصل. وكان بإمكانه أن يتم صلاته ، ثم بعد الصلاة يبين لهم الحكم الشرعي في هذا .
الخلاصة:
صلاة هذا الإمام باطلة مادام يعلم أنه قد زاد في الصلاة ركنا على وجه العمد وبلا عذر مشروع، فعليه أن يعيدها ظهرا، وكذا على المأمومين، لأنهم تعمدوا التخلف عن الإمام بركن، ثم تابعوا الإمام في ركوع غير معتد به، راجع للأهمية جواب السؤال رقم: (220129)، ورقم: (33790).
والله أعلم.