كيف أحب الله بعد البلاء الذي تعرضت له؟

السؤال 454387

عندي مسألة، أرجو من الإخوة التفصيل في الجواب عليها، وهي متعلقة بشيئين: حب الله تعالى، والقدر، وهذا سؤالي:
من صغري وأنا في مشاكل، مشكلة بعد مشكلة، وليست مشاكل بالتي تمر في مدة قصيرة، بل مشاكل نفسية لها تأثير على عقلي، استمرت بضع سنين، وعددها كبير جداً، ومعقدة، أدت بي أنه كلما أحاول أن أحل مشكلة منهم ازداد الوضع سوءا، واستمر على الازدياد في السوء، وكانت حالتي النفسية والعقلية تتدهور بشكل كبير، إلى أن أصبحت في حالة يرثى لها، لا أستطيع الحياة مما رأيت، ولا بإمكاني الموت ليقيني بالمصير إذا انتحرت، وهذا هو حالي بإختصار شديد.
أعلم أن كل ما حدث ويحدث لي قدر قدره الله تعالى علي، لكن هذا أدى بي إلى عدم حب الله؛ لأسباب منها: أني دعوت الله في ظل أزماتي، ولم يزداد الوضع إلا سوءا، وأولها كما قلت أني أعلم أن الله قد جعل حياتي هكذا بمشيئته وقدره، وعندما أصبر وأتقرب إلى الله يزداد الوضع سوءا، وإن صبرت-، ولكن مع ذلك أنا أعبد الله، أصلي، أصوم، أقرأ القرآن، ولا أنكر منه إلخ.
ولكن بحثت البارحة، وعلمت من موقعكم أن حب الله تعالى من أوجب الواجبات، فحاولت أن أزيد حبي لله، لكن يمنعني من ذلك ماضيَّ، وحالي الآن، وأن ذلك قدر، وأيضا عدم الاستجابة لدعواي في ظل ما كنت فيه من مساويء، ولم أتعدَ في الدعاء، هذه هي مشكلتي.
والسؤال مختصراً: كيف أحب الله سبحانه بعدما تعرضت له من ماضٍ سيء، مع علمي أنه قدر علي ذلك، ولم يعيني؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أخي الكريم: بدايةً، نشكرك على ثقتك، ونحيي فيك شجاعتك في طرح هذا السؤال، فليس من اليسير على الإنسان أن يبوح بما يختلج في قلبه، ولا سيما إذا تعلق الأمر بعلاقته بالله تعالى، وإن مجرد حرصك على البحث عن علاج لما تجده في نفسك، ورغبتك في أن تستعيد محبتك لربك، يدل على أن قلبك ما زال حيًا، وأنك لم تستسلم لليأس، رغم ما مررت به من ابتلاءات متتابعة أثقلت نفسك وأرهقتها.

وما ذكرته ليس أمرًا يمر بك وحدك، بل قد يشعر بشيء منه كثير من المبتلين، خاصة إذا طال عليهم البلاء، وتتابعت عليهم الأزمات، ورأوا أن دعاءهم لم يتحقق بالصورة التي يرجونها، حتى بدأت نفوسهم تربط بين ما تعيشه من ألم، وبين علاقتهم بالله.

ولهذا فإننا لن نكتفي بذكر بعض النصوص أو بيان الحكم الشرعي، بل سنحاول أن نفهم المشكلة من جذورها، وأن ننظر إليها من جوانبها الإيمانية والنفسية معًا؛ لأن الإسلام يعالج الإنسان بقلبه وعقله وروحه.

وسنحاول معًا أن نجيب عن عدة أسئلة: لماذا قد يضعف الشعور بمحبة الله بعد الابتلاء الطويل؟ وهل كثرة البلاء تعني أن الله لا يحب عبده؟ ولماذا قد يتأخر الفرج أو لا تتحقق إجابة الدعاء بالصورة التي نرجوها؟ وكيف يمكن أن يعيد الإنسان بناء علاقته بربه، وينتقل من أسر الألم إلى اكتشاف المعنى الذي أراده الله من هذا الابتلاء، ثم يأخذ بالأسباب التي تعينه على تجاوزه؟

ونسأل الله تعالى أن يجعل في هذه الكلمات ما ينفعك، وأن يشرح صدرك، ويبدل ألمك طمأنينة، وحيرتك يقينًا، ويرزقك حسن الظن به، فإن من أعظم نعم الله على عبده أن يعرف ربه كما أخبر عن نفسه، لا كما تصور له آلامه وظروفه.

أولًا:

قبل أن نجيب عن سؤالك... لنتعرف على طبيعة المشكلة: فمن خلال رسالتك يتبين أن المشكلة ليست أنك فقدت إيمانك بالله، ولا أنك تركت عبادته، بل على العكس؛ فأنت ما زلت تصلي، وتصوم، وتقرأ القرآن، وتخاف الله، حتى إن خوفك منه كان سببًا في انصرافك عن التفكير في الانتحار، وهذا يدل على أن أصل الإيمان ما زال حاضرًا في قلبك، بل على أن "جذوة" هذا الإيمان ما زالت، بحمد الله، متقدة، بما يكفي لمنعك من أمر محرم، ترى فيه راحتك العاجلة؛ فتتركه خوفا من ربك.

وانظر للفائدة: جواب السؤال رقم (131891).

لكن الذي أصابه الجرح هو مشاعرك تجاه الله، لا إيمانك به.

وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين:

- الشك العقدي، وهو الشك في وجود الله، أو حكمته، أو عدله.

- الجرح الوجداني، وهو أن يؤمن الإنسان بالله، لكنه يعجز عن أن يشعر بالقرب منه أو محبته بسبب ما تراكم عليه من آلام.

وهذا التفريق مهم؛ لأن لكل منهما علاجًا مختلفًا، فالشك يعالج بالعلم والدليل، أما الجرح الوجداني فيحتاج، إضافة إلى العلم، إلى ترميم العلاقة بالله، وإعادة بناء المعنى الذي يحمله الإنسان عن ابتلائه.

ولهذا فإن سؤالك الحقيقي ليس: هل الله موجود؟ أو هل الإسلام حق؟، وإنما هو: كيف أحب الله بعدما مررت بكل هذا الألم، وأنا أعلم أن ما أصابني كان بقدر الله؟ وهذا يدل على أن المشكلة ليست في أصل الإيمان، وإنما في تفسيرك لما وقع لك، وكيف تجمع بين ذلك "الاستغراق" في البلاء، والألم، ومحبة "الله" الذي قدر عليك كل ما "وقع"، وهو قادر على ألا يقع؟!

وانظر للفائدة: جواب السؤال رقم (216737).

ثانياً:

المشكلة ليست في البلاء، وإنما في تفسير البلاء: لو تأملنا رسالتك، لوجدنا أنك لم تربط بين الأحداث المؤلمة وبين مشاعرك فحسب، بل ربطت بينها وبين صورة الله في قلبك، حتى أصبح عقلك يقول: (دعوت الله، فلم يتغير شيء - صبرت، فطال البلاء- حاولت الإصلاح، فازدادت الأمور تعقيدًا) إذاً لعل الله لا يريد بي خيرًا، وهذه النتيجة لم تأت من نص شرعي، وإنما من طريقة تفسير الأحداث.

وهنا يقرر علم النفس حقيقة مهمة، وهي أن الإنسان لا يتأثر بالأحداث وحدها، بل بالطريقة التي يفسر بها تلك الأحداث، وقد يمر شخصان بالمحنة نفسها، فيخرج أحدهما أكثر قربًا من الله، بينما يخرج الآخر مثقلًا بالحيرة وسوء الظن؛ لأن المعنى الذي أعطاه كلُّ واحد للمحنة، كان مختلفًا.

ثالثًا:

من أين جاءت هذه الأفكار؟ إذا طال الألم، ولم يجد الإنسان تفسيرًا يطمئن قلبه، بدأ عقله يبحث عن معنى لما يحدث، وقد يصل إلى استنتاجات غير صحيحة، مثل: (الله لا يحبني- لو كان الله راضيًا عني لما طال بلائي- عدم تحقق دعائي يعني أن الله لم يستجب لي- إذا ازداد البلاء مع الطاعة، فما فائدة الطاعة؟).

وهذه الأسئلة والهواجس، كلها: ليست أدلة شرعية، وإنما هي مجرد تفسيرات نفسية، نشأت مع تكرار المعاناة، حتى بدأت تؤثر في المشاعر.

ولهذا فإن أول خطوة في العلاج ليست أن نطلب منك أن تستكره نفسك على محبة الله، وإنما أن نعيد النظر في هذه التفسيرات، ونسأل: هل هي فعلًا ما أراد الله أن نفهمه من الابتلاء؟

رابعًا:

الألم لا يكفي للحكم على علاقة الله بعبده، فدعنا نتأمل سؤالًا مهمًا: لو كانت كثرة البلاء دليلًا على أن الله لا يحب عبده، فمن أحب الناس إلى الله؟ إنهم الأنبياء، ومع ذلك كانوا أشد الناس بلاءً، قال رسول الله ﷺ: (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل) وقال ﷺ: (إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم)، إذن؛ فالابتلاء ليس دليلًا على البغض، كما أن النعمة ليست دليلًا قاطعًا على الرضا.

وهذا المعنى الأصيل في تجربة الابتلاء بالسراء والضراء: قد بينه الله جل جلاله، أوضح بيان، وقربه لأفهام العباد وقلوبهم بأوضح عبارة، وذكر الابتلاء بالفقر والغنى مثلا لما يقول العباد، وما يخفى عليهم من حكمة رب العباد. قال الله تعالى: فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ * كَلَّاۖ [الفجر: 15-17].

يقول ابن كثير، رحمه الله: "يقول تعالى منكرًا على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله تعالى عليه في الرزق ليختبره في ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له وليس كذلك بل هو ابتلاء وامتحان كما قال تعالى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ [المؤمنون]

وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه في الرزق يعتقد أن ذلك من الله إهانة له، كما قال الله تعالى: كَلَّا أي: ليس الأمر كما زعم لا في هذا ولا في هذا، فإن الله تعالى يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين: إذا كان غنيًا بأن يشكر الله على ذلك وإذا كان فقيرًا بأن يصبر". انتهى، من "تفسير ابن كثير" (7/563).

ومن هنا يتبين أن الذي يحتاج إلى المراجعة ليس وقوع البلاء، وإنما المعنى الذي ربطتَه به؛ فأنت لا يؤلمك ما مررت به فقط، وإنما يؤلمك اعتقادك أن هذا كله يعني أن الله لم يرد بك خيرًا، أن الله معرض عنك، لا يبالي ببلائك أو عافيتك!! ومن هنا يبدأ العلاج الحقيقي.

وانظر للفائدة: جواب السؤال رقم (392777) ورقم (166747)

خامسًا:

من سؤال: "لماذا لم يغير الله حالي؟"... إلى سؤال: "ماذا يريد الله أن أغيره في نفسي؟"

أخي الكريم: بعد هذا الحوار كله، لعلك بدأت تلاحظ أن هناك سؤالًا لازمك سنوات طويلة: لماذا لم يغير الله حالي؟ وهو سؤال مفهوم، لكن القرآن ينقل الإنسان إلى سؤال آخر أكثر نفعًا: ماذا يريد الله أن أغيره في نفسي؟ قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ، فالله لم يأمرنا أن نبدأ بتغيير الظروف، ولا الناس، وإنما أن نبدأ بأنفسنا؛ لأن هذه هي المساحة التي نملكها، ومنها يبدأ التغيير الحقيقي.

يا عبد الله؛ أنت بحاجة إلى أن تخلو إلى ربك، وتتضرع إليه، وتقوم بين يديه؛ تشكو إليه؛ ولا تشكوه إلى غيره؛ فجاهد نفسك على ذلك، وداو سقامك بالتضرع إلى الله، ومناجاته.

وانظر للفائدة: جواب السؤال رقم (286633) ورقم (290009)

سادساً:

ما الذي تستطيع أن تغيره؟ قد لا تستطيع تغيير الماضي، ولا محو ما مررت به، لكن بقي أمامك باب لم يغلق، وهو تغيير نفسك، وهنا نقترح أن تبدأ بالمراجعة في هذه الجوانب:

أ- راجع علاقتك بالله، وليس المقصود مجرد المحافظة على العبادات، وإنما أن تسأل نفسك: (هل أعرف الله من خلال القرآن، أم من خلال آلامي؟ - هل أصبحت أفسر أقدار الله بمشاعري، أم أفسر مشاعري بما أعرفه عن الله؟)؛ فكلما ازدادت معرفتك بأسماء الله وصفاته، ازداد اطمئنان قلبك إلى حكمته.

ب- راجع حقوق الله وحقوق العباد: من الحكمة أن يقف الإنسان مع نفسه وقفة محاسبة صادقة، فيراجع عبادته، وحقوق والديه، وصلة رحمه، وأداء الأمانات، ورد المظالم، وما قد يكون قصر فيه من حقوق الله أو حقوق عباده، ولا يعني ذلك أن كل بلاء سببه ذنب، وإنما يعني أن المؤمن لا يضيع فرصة لإصلاح نفسه؛ لأن إصلاحها من أعظم أسباب التوفيق والبركة.

ج- اكتشف نقاط ضعفك: لقد تحدثت في رسالتك كثيرًا عن المشكلات التي مررت بها، لكن اسأل نفسك أيضًا: (ما المهارات التي أحتاج إلى تطويرها؟ - هل أجيد حل المشكلات؟ - هل أستسلم سريعًا؟ - هل أعيش في اجترار الماضي؟ - هل أحتاج إلى تعلم إدارة الضغوط أو تحسين طريقة اتخاذ القرار؟) فالله لم يأمرنا بتغيير أحوالنا مباشرة، وإنما أمرنا أن نبدأ بتغيير ما بأنفسنا، وهذا يشمل الإيمان، والأخلاق، والمهارات، والعادات، وطريقة التفكير.

د- اجعل الابتلاء بداية بناء، لا نهاية طريق: لا تنظر إلى السنوات الماضية على أنها سنوات ضاعت، بل اسأل نفسك: (ما الذي تعلمته منها؟ - وما الصفات التي أصبحت أقوى فيك بسببها؟ - فالابتلاء قد يكون مدرسة يخرج منها الإنسان أكثر نضجًا، وأقرب إلى الله، وأقدر على مواجهة الحياة).

وباختصار: لا تقف عند ما فقدته، بل ابحث عما بناه الله فيك من خلال ما فقدته.

سابعاً:

لا تجعل الابتلاء هويتك، ولا مرآة نفسك: فمن أخطر ما يفعله الابتلاء بالنفس، أن يتحول من تجربة يعيشها الإنسان، إلى هوية يعرف بها نفسه، فتجده يقول: (أنا المظلوم- أو:أنا المريض- أو: أنا الذي لم يستجب الله دعاءه)، ومع تكرار هذه العبارات، لا يعود الابتلاء مرحلة من الحياة، بل يصبح العدسة التي يرى بها نفسه ومستقبله.

لكن القرآن يقدم لنا صورة مختلفة؛ فقد ذكر ابتلاءات الأنبياء، لكنه لم يجعلها عنوانًا لشخصياتهم. فلم يقدم يوسف عليه السلام بوصفه سجينًا، ولا أيوب عليه السلام بوصفه مريضًا، ولا يونس عليه السلام بوصفه صاحب محنة، بل قدمهم عبادًا صالحين، اصطفاهم الله، ورباهم بالابتلاء، ثم رفع درجاتهم به، فكانت المحنة جزءًا من سيرتهم، لكنها لم تكن هويتهم.

ولهذا، لا تجعل أشد ما مررت به هو أول ما تعرف به نفسك، بل قل: أنا عبدٌ لله، ابتلاني كما ابتلى من هم خير مني، وأسألُه أن يجعل هذا الابتلاء سببًا في زيادة إيماني، لا في انقطاعي عنه.

تذكر أن الابتلاء حدثٌ في حياتك، وليس هويتك، وأن الألم فصلٌ من قصتك، وليس القصة كلها، وأن أعظم وصف يمكن أن تحمله هو الوصف الذي شرَّف الله به أنبياءه ورسله: عباد الله.

ثامنًا:

ابدأ بخطوات صغيرة... ولكن لا تتوقف، ولذلك أنصحك أن تبدأ من اليوم بخطوات عملية، ولو كانت يسيرة:

- جدد معرفتك بالله من خلال القرآن والسنة، ولا تجعل آلامك هي التي تعرفك بربك.

- وإذا هجمت عليك فكرة: "الله لا يحبني"، فواجهها بما أخبر الله به عن نفسه، لا بما تمليه عليك مشاعرك.

- راجع نفسك بهدوء، فأصلح ما تستطيع من علاقتك بالله، ومن حقوق والديك وأرحامك، ومن حقوق الناس، وتب إلى الله من كل تقصير تعلمه، دون أن تحمل نفسك مسؤولية كل ما أصابك.

- اعمل على تنمية مهاراتك، وتقوية شخصيتك، وتعلم ما يعينك على مواجهة الحياة؛ فإن الأخذ بالأسباب جزء من التوكل، وقد أمر الله به كما أمر بالدعاء.

- وإذا شعرت أن آثار الابتلاء تحولت إلى اكتئاب، أو قلق شديد، أو اجترار لا تستطيع الخروج منه، فلا تتردد في مراجعة مختص نفسي أمين؛ فالتداوي من الأسباب التي أذن الله بها، ولا يتعارض مع الرضا بقضائه.

- وتذكر دائمًا: أنه قد يضعف الشعور بمحبة الله في بعض مراحل الابتلاء، لكن ضعف الشعور لا يعني غياب الإيمان، كما أن احتجاب الشمس خلف السحاب لا يعني أنها قد غابت عن السماء، فالمحبة لا تُبنى على خلو الحياة من الألم، وإنما تُبنى على معرفة الله بأسمائه وصفاته، والثقة بحكمته، وحسن الظن به، ومجاهدة النفس حتى ترى بنور الوحي ما كانت تراه من قبل بعين الألم، ولعل من أجمل ما يعينك على ذلك ما قاله يوسف عليه السلام بعد رحلة طويلة من الابتلاء: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ، فقد أبصر، على طول تجربته: كيف كان لطف الله يصاحبه في كل مرحلة، حتى وإن توارى اللطف عن الأبصار، وهي في خضم الألم؛ فالبصائر المؤمنة: تدركه، وترى لطف الله الخفي.

وربما يأتي عليك يوم تنظر فيه إلى بعض ما مررت به، فتقول كما قال يوسف، لا لأن الألم كان يسيرًا، بل لأنك رأيت من لطف الله ما لم تكن تراه وأنت في قلب المحنة.

وانظر للفائدة: جواب السؤال (204615)، (196020)، (415185).

وفي الختام نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويبدل همك فرجًا، وخوفك أمنًا، وحيرتك يقينًا، وأن يرزقك لذة معرفته، وحسن الظن به، والأنس بقربه، وأن يجعل ما مررت به رفعة في درجاتك، وتكفيرًا لسيئاتك، وسببًا في زيادة إيمانك، وأن يريك من لطفه ورحمته ما يملأ قلبك سكينة ورضًا.

ونسأل الله أن يجعلنا وإياك من الذين إذا ابتُلوا صبروا، وإذا أُعطوا شكروا، وإذا أذنبوا استغفروا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والله تعالى أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android