أولًا :
القراءات القرآنية متعددة ، ولها شروط ذكرها العلماء ، وهذه الشروط لا بد منها لاعتبار القرآنية ، وهي :
1- صحة السند، مع الاشتهار.
ومعناه : أن يروى " تلك القراءة : العدل الضابط عن مثله كذا حتى تنتهي ، وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له ، غير معدودة عندهم من الغلط ، أو مما شذ بها بعضهم"، "النشر" (1/13).
وبعض العلماء جنح إلى اشتراط (التواتر) ، واكتفى بعضهم بصحة السند ، مع استفاضة النقل والتلقي بالقبول .
انظر: " النشر في القراءات العشر " : (1/13)، " المرشد الوجيز" : (145)، (171).
2- موافقة خط المصحف، ولو احتمالًا.
وتكفي الموافقة للرسم (ولو احتمالًا) ، أي : ولو تقديرًا ، إذ موافقة الرسم قد تكون تحقيقًا ، وهي الموافقة الصريحة ، وقد تكون تقديرًا ، وهي الموافقة احتمالًا ، فإنه قد خولف صريح الرسم في مواضع إجماعًا ، قال " ابن الجزري " : " وقد توافق بعض القراءات الرسم تحقيقًا ، ويوافقه بعضها تقديرًا ، نحو (ملك يوم الدين) فإنه كتب بغير ألف في جميع المصاحف ، فقراءة الحذف تحتمله تخفيفًا كما كتب (ملك الناس) ، وقراءة الألف محتملة تقديرًا كما كتب (مالك الملك) ، فتكون الألف حذفت اختصارًا .
... وقد توافق اختلافات القراءات الرسم تحقيقًا ..
على أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك : لا يعدُّ مخالفًا ، إذا ثبتت القراءة به ، ووردت مشهورة مستفيضة . ألا ترى أنهم لم يعدُّوا .. قراءة (وأكون من الصالحين) ، والظاء من (بضنين) ونحو ذلك من مخالفة الرسم المردود ، فإن الخلاف في ذلك يغتفر ، إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد ، وتُمَشِّيه صحةُ القراءة وشهرتها وتلقيها بالقبول .
وذلك بخلاف زيادة كلمة ، ونقصانها ، وتقديمها وتأخيرها ، حتى ولو كانت حرفًا واحدًا من حروف المعاني ، فإن حكمه في حكم الكلمة : لا يسوغ مخالفة الرسم فيه ، وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته" .
راجع: " النشر " : (11 - 13).
3- موافقة العربيَّة، ولو بوجه.
أي: ولو بوجه " من وجوه النحو، سواء كان أفصح ، أم فصيحًا، مجمعًا عليه أم مختلفًا فيه اختلافًا لا يضر مثله، إذا كانت القراءة مما شاع ، وذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح، إذ هو – إي: صحة الإسناد - الأصل الأعظم ، والركن الأقوم، وهذا هو المختار عند المحققين في ركن موافقة العربية " . " النشر " (1/ 10).
ثانيًا :
روى " البخاري " في صحيحه " (6278) عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ( ذَهَبَ عَلْقَمَةُ إِلَى الشَّأْمِ ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي جَلِيسًا ، فَقَعَدَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَقَالَ : مِمَّنْ أَنْتَ ؟ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، قَالَ : أَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي كَانَ لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ - يَعْنِي : حُذَيْفَةَ - ؟ أَلَيْسَ فِيكُمْ ، أَوْ كَانَ فِيكُمُ ، الَّذِي أَجَارَهُ اللهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الشَّيْطَانِ - يَعْنِي : عَمَّارًا - ؟ أَوَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّوَاكِ وَالْوِسَادِ - يَعْنِي: ابْنَ مَسْعُودٍ -؟
كَيْفَ كَانَ عَبْدُ اللهِ يَقْرَأُ ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ) ؟
قَالَ: ( وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ) .
فَقَالَ : مَا زَالَ هَؤُلَاءِ ، حَتَّى كَادُوا يُشَكِّكُونِي ، وَقَدْ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ).
وفي رواية " مسلم " (824) عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: ( لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ لِي : مِمَّنْ أَنْتَ ؟ قُلْتُ : مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ . قَالَ : مِنْ أَيِّهِمْ ؟ قُلْتُ : مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ . قَالَ: هَلْ تَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ؟ قَالَ : قُلْتُ: نَعَمْ . قَالَ : فَاقْرَأْ ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ) قَالَ : فَقَرَأْتُ : ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ) .
قَالَ : فَضَحِكَ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَؤُهَا ).
والجواب عن هذه الآثار ، ما يلي :
أولًا : هذه الآثار لا يثبت بمثلها القرآن؛ لأنها لا تتوافر فيها شروط القرآنية، وقد نقل " ابن العربي " عن " القاضي " – يعني: الباقلاني -: " هذا مما لا يلتفت إليه بشر، إنما المعول عليه ما في الصحف؛ فلا تجوز مخالفته لأحد، ثم بعد ذلك يقع النظر فيما يوافق خطه مما لم يثبت ضبطه ، حسبما بيناه في موضعه ؛ فإن القرآن لا يثبت بنقل الواحد ، وإن كان عدلًا ؛ وإنما يثبت بالتواتر الذي يقع به العلم ، وينقطع معه العذر وتقوم به الحجة على الخلق " ، انتهى. " أحكام القرآن " لابن العربي (4/ 404 - 405).
ثانيًا : هذه القراءة لم يقرأ بها أحد من القراء الآخذين عن ابن مسعود وأبي الدرداء ، مما يشير إلى كونهم فطنوا إلى أنها قد نسخت .
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (8/707) : "هذه القراءة لم تُنقَلْ إلّا عمّن ذُكر هنا ، ومَن عداهم قرأوا ( وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ) ، وعليها استقرَّ الأمر مع قوَّة إسناد ذلك إلى أبي الدرداء ومن ذُكر معه .
ولعلّ هذا ممّا نُسخت تلاوته ، ولم يبلغ النّسخُ أبا الدرداء ومَنْ ذُكر معه .
والعجبُ من نَقْل الحفّاظ من الكوفيِّينَ هذه القراءة عن علقمة وعن ابن مسعود ، وإليهما تنتهي القراءةُ بالكوفة ، ثمّ لم يقرأ بها أحدٌ منهم ، وكذا أهلُ الشام حملوا القراءةَ عن أبي الدرداء ، ولم يقرأ أحدٌ منهم بهذا، فهذا ممّا يقوِّي أنّ التلاوة بها نُسخت " انتهى.
ثالثًا : وما سبق يوضح لنا أن هذا "الحرف" مما ترك في " العرضة الأخيرة " ، ولعل من قرأ بها بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعلم بها.
وفي ذلك يقول د. مساعد الطيار:
" قد وقع تركٌ لبعض الأوجه في العرضة الأخيرة ، فكان ما بقي منها لم يتجاوز الخمسة ، وهذا استدلال بالثابت من القراءات ، الموافقة للعرضة الأخيرة ؛ لأن الأمة أمرت بأن تقرأ كما عُلِّمت ، وما بلغنا صحيحًا مقبولًا (المتواتر) ، هو ما عُلِّمت ، وأريد لها أن تقرأ به ، وما عداه - مما بأيدينا - فهو إما مما تُرك (نُسخ) ، وإما مما لم يصحَّ رفع القراءة به إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم .
وإذا كان قد ثبت أنَّ هناك قراءات صحيحة لا يُقرأ بها اليوم ، كالقراءات الأربع المتممة للعشر، وككثيرٍ من أفراد القراءات التي ثبتت بأسانيد مفردة، كقراءة (والذكر والأنثى) التي ثبتت عن ابن مسعود وأبي الدرداء رضي الله عنهما ، وغيرها ؛ فإنَّ هذا مما يدلُّ على أنَّ هذه القراءات قد تُرِكت ، وهي من الأحرف المنْزلة .
ويمكن أن نقسم القراءات إلى أقسام ثلاثة:
القسم الأول : القراءات المشهورة التي تلقتها الأمة بالقبول ، وحكم عليها العلماء بالتواتر .
القسم الثاني : القراءات الصحيحة التي لم تصل إلى حدِّ الشهرة والقبول ، وقد تُرِكت القراءة بها .
القسم الثالث : ما سوى ذلك مما يُنسب إلى بعض القراء أو غيرهم بلا سند ، وتلك لا ترقى إلى حكم القسم الثاني فضلاً عن الأول ؛ لذا قد يدخلها الخطأ ، فهي لا تُحسب من القراءات عند التمحيص والتمييز والتحقيق " انتهى من " المحرر في علوم القرآن" (95 - 96).
والله أعلم.