المراد بنفي العلم عن الكافرين و المنافقين الذين قامت عليهم الحجة

14-08-2022

السؤال 383275

ما الفرق بين عدم العلم الذي يذكره العلماء في مسألة العذر بالجهل، والذي يجعلونه من الموانع التي تمنع لحوق الكفر بالمسلم عند وقوعه في الأقوال والاعتقادات المكفرة، ما الفرق بين هذا النوع من العلم وبين العلم الذي ينفيه الله تعالى عن الكفار والمنافقين الذين قامت عليهم الحجة، كالذي في مثل قول الله سبحانه وتعالى: (ولكن المنافقين لا يعلمون)، و (ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون)، و(ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)؟ وهل شرح ابن تيمية رحمه الله الفرق بين هذين النوعين من الجهل؟ وهل يمكن أن تذكروا المرجع إن تيسر؟

ملخص الجواب:

نفي العلم والفهم عن الكافرين والمنافقين الوارد في عدد من الآيات: لا يراد به أنهم جاهلون بحكم الكفر أو لم تقم عليهم الحجة، وإنما المراد أنهم لا يعلمون علما ينفعهم، أو لا يعلمون شيئا خاصا، ككونهم سفهاء، أو أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. وينظر للأهمية بيان ذلك في الجواب المطول

الجواب

الحمد لله.

الجهل الذي يكون عذرا: هو عدم العلم بالحكم الشرعي، أي بكون الأمر واجبا أو حراما، فيترك الواجب أو يقع في الحرام، فيكون معذورا، إن لم يكن مُعرِضا عن سماع الوحي وتعلمه، أو مفرطا في تحصيل العلم مع إمكانه.

وأما عدم العلم الذي وصف الله به المنافقين والكافرين ، ممن قامت عليهم الحجة، فالمراد به عدم العلم النافع الذي يثمر العمل، أو عدم العلم بشيء خاص كعدم علمهم بأنهم سفهاء، أو عدم علمهم أن العزة لله ولرسوله، أو أن الرشاد في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد نفى الله تعالى عنهم السمع والبصر كذلك، والمراد نفي السمع النافع الذي يترتب عليه الاستجابة، ونفي البصر الذي يكون سببا في الاهتداء، وتارة ينفي عنهم الفهم والفقه، أي النافع كذلك.

قال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ الأعراف/179.

وقال تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ البقرة/18، وقال: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ  171.

ولا شك أن هؤلاء كانت لهم عقول وإلا لما كانوا مكلفين، وكانت لهم أسماع وأبصار، لكن لما لم ينتفعوا بها جعلها الله كالعدم.

وقال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ التوبة/6.

فهذا نفي لعلمهم بأن الرشاد في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم.

قال ابن عطية في تفسيره (3/9):

" (ذلِكَ): إشارة إلى هذا اللطف في الإجارة والإسماع وتبليغ المأمن.

و(لا يعلمون): نفي علمهم بمراشدهم في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم" انتهى.

وقال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ) البقرة/13 أي لا يعلمون أنهم هم السفهاء.

قال الطبري رحمه الله في تفسيره (1/294) : " القول في تأويل قوله جل ثناؤه: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13))

قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من الله تعالى عن المنافقين الذين تقدم نعتُه لهم، ووصفُه إياهم بما وصفهم به من الشك والتكذيب - أنَّهم هُم الجُهَّال في أديانهم، الضعفاء الآراءِ في اعتقاداتهم واختياراتهم التي اختاروها لأنفسهم، من الشكّ والريْب في أمر الله وأمر رسوله وأمر نبوته، وفيما جاء به من عند الله، وأمر البعث، لإساءَتهم إلى أنفسهم بما أتَوْا من ذلك، وهم يحسبون أنَّهم إليها يُحْسِنون. وذلك هو عَيْنُ السَّفه، لأن السفيه إنما يُفسد من حيث يرى أنه يُصلحُ، ويُضيع من حيث يَرى أنه يحفظ، فكذلك المنافق: يَعصي رَبَّه من حيث يرى أنه يطيعُه، ويكفرُ به من حيث يرى أنه يُؤمن به، ويسيء إلى نفسه من حيث يحسب أنه يُحسن إليها، كما وصفهم به ربنا جلّ ذكره، فقال: (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) ، وقال: (ألا إنهم هم السفهاء) - دون المؤمنين المصدّقين بالله وبكتابه، وبرسوله وثوابه وعقابه - (ولكن لا يعلمون)" انتهى.

وقال تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ التغابن/8.

قال ابن الجوزي في "زاد المسير" (4/289): " فردّ الله عزّ وجلّ عليه فقال: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ) وهي: المَنَعة والقوّة (وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) بإعزاز الله ونصره إياهم (وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) ذلك" انتهى.

وقال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) الأعراف/179.

قال الطبري رحمه الله في تفسيره (13/278) : " وأما قوله: (لهم قلوبٌ لا يفقهون بها) ، فإن معناه: لهؤلاء الذين ذرأهم الله لجهنم من خلقه قلوب لا يتفكرون بها في آيات الله، ولا يتدبرون بها أدلته على وحدانيته، ولا يعتبرون بها حُجَجه لرسله، فيعلموا توحيد ربِّهم، ويعرفوا حقيقة نبوّة أنبيائهم. فوصفهم ربُّنا جل ثناؤه بأنهم: "لا يفقهون بها"، لإعراضهم عن الحق وتركهم تدبُّر صحة [نبوّة] الرسل، وبُطُول الكفر. وكذلك قوله: (ولهم أعين لا يبصرون بها) ، معناه: ولهم أعين لا ينظرون بها إلى آيات الله وأدلته، فيتأملوها ويتفكروا فيها، فيعلموا بها صحة ما تدعوهم إليه رسلهم، وفسادِ ما هم عليه مقيمون، من الشرك بالله، وتكذيب رسله; فوصفهم الله بتركهم إعمالها في الحقّ، بأنهم لا يبصرون بها.

وكذلك قوله: (ولهم آذان لا يسمعون بها)، آيات كتاب الله، فيعتبروها ويتفكروا فيها، ولكنهم يعرضون عنها، ويقولون: (لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا  فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)، [سورة فصلت: 26]. وذلك نظير وصف الله إياهم في موضع آخر بقوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ)، [سورة البقرة: 171].

والعرب تقول ذلك للتارك استعمالَ بعض جوارحه فيما يصلح له، ومنه قول مسكين الدارمي:

أَعْمَى إِذَا مَا جَارَتِي خَرَجَتْ ... حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي السِّتْرُ

وَأَصَمُّ عَمَّا كَانَ بَيْنَهُمَا ... سَمْعِي وَمَا بِالسَّمْعِ مِنْ وَقْرِ

فوصف نفسه لتركه النظر والاستماع: بالعمى والصمم.

ومنه قول الآخر:

وَعَوْرَاءُ اللِّئَامِ صَمَمْتُ عَنْهَا ... وَإِنِّي لَوْ أَشَاءُ بِهَا سَمِيعُ

وَبَادِرَةٍ وَزَعْتُ النَّفْسَ عَنْهَا ... وَقَدْ تَئِقَتْ مِنَ الْغَضَبِ الضُّلُوعُ

وذلك كثير في كلام العرب وأشعارها" انتهى.

فنفي العلم والفهم عن هؤلاء: لا يراد به أنهم جاهلون بحكم الكفر أو لم تقم عليهم الحجة، وإنما المراد أنهم لا يعلمون علما ينفعهم، أو لا يعلمون شيئا خاصا، ككونهم سفهاء، أو أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

فمن أقيمت عليه الحجة لا ينفعه بعدها ادعاؤه الجهل ، أو ظنه أنه على هدى ، لأنه إنما أُتِي من تقصيره في النظر في الحجة ، أو من إعراضه عنها وعدم الاستماع لها والتأمل فيها ، قال الله تعالى : (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) الكهف/103-104.

وقال تعالى : فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلالَةُ إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ الأعراف/30.

قال السعدي رحمه الله في تفسيره (ص286) : من فوائد الآية : "أن من حسب أنه مهتدٍ وهو ضالٌّ، أنه لا عذر له، لأنه متمكن من الهدى، وإنما أتاه حسبانه من ظلمه بترك الطريق الموصل إلى الهدى" انتهى.

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله :

"تنبيه:

هذه النصوص القرآنية تدل على أن الكافر لا ينفعه ظنه أنه على هدى، لأن الأدلة التي جاءت بها الرسل لم تترك في الحق لبساً ولا شبهة، ولكن الكافر لشدة تعصبه للكفر لا يكاد يفكر في الأدلة التي هي كالشمس في رابعة النهار لجاجاً في الباطل، وعناداً ، فلذلك كان غير معذور . والعلم عند الله تعالى" انتهى من "أضواء البيان"(2/96).

على أن هذه النصوص وأشباهها إنما وردت في شأن الكافر الأصلي، وفي بيان حاله مع هدى الله الذي جاءه.

وأما العذر بالجهل: فإنما هو في حق المؤمن الذي ثبت له عقد الإيمان والإسلام، ثم وقع في أمر من أمور الكفر والشرك، عن جهل منه بأن ذلك مما يخرج من الإسلام، وينقض عقد الإيمان.

وينظر الكلام بتوسع عن هذه النصوص وأشباهها، وعلاقته بمسألة عذر الجاهل: كتاب "إشكالية العذر بالجهل" للشيخ الدكتور سلطان العميري، وفقه الله (205) وما بعدها.

والله أعلم.

العلم
عرض في موقع إسلام سؤال وجواب