الرد على استدلال النصارى بالأدلة التاريخية على حدوث الصلب والقيامة

01-04-2023

السؤال 372451

سؤالى حول شبهة يثيرها النصارى عن صلب المسيح وقيامته، وهى: أنهم يقولون: إن حادثة صلب المسيح والقيامة مذكورة فى وثائق تاريخية مكتوبة من غير المسيحيين، من أمثلة هذه الوثائق ما ذكره المؤرخ تاسيتوس (56م-116) فى "كتاب الحوليات"، وفيه: إن نيرون لصق تهمة إحراق روما للمسيحيين، الذين حكم على المسيح ـ الذى اشتق منه اسمهم ـ بالإعدام على يد بيلاطس البنطى، وقد راجت خرافة من أشد الخرافات، طبعا الخرافة المقصودة هى القيامة المزعومة فمن قول هذا المؤرخ يظهر إن هذه العقيدة الصلب والقيامة كانت موجودة من زمن نيرون (توفى 68م)، وهذا زمن قريب جدا من المسيح، كذلك مؤرخون وكتاب آخرون قريون من عصر المسيح ذكروا أن المسيحيين كانوا يعبدون المسيح، مثل لوسيان الساموساطى، كذالك نقل يوليوس أفريكانوس، وأورجانوس، وهم من آباء الكنيسة الأوائل عن الثالوث، وفليجون حدوث كسوف عظيم للشمس، وحدوث زلزال فى عام 33 (عام صلب المسح)، فهم عزوا الظلمة إلى الكسوف، بينما رد عليهم آباء الكنائس بأن الصلب حدث والقمر مكتمل، فلا يمكن حدوث كسوف طبيعى للشمس، أيضا يستدلون بالقبر الخالى على حدوث القيامة، إذاً أين هى جثة الذى صلب سواء كان المسيح أو غيره؟ ولماذا آمن تلاميذه مباشرة بقيامته إن لم يكن ظهر لهم طبعا؟ هناك مواقع كثيرة وفيديوهات كثيرة تناولت هذه الشهادات التاريخية والوثائق، فهناك أكثر مما ذكرت، مثل قول أنتونى فلو الذى كان ملحد أن أدلة حدوث القيامة هى أفضل من أى أدلة لأى عجائب للديانات الأخرى، في كتابه "هل حدثت القيامة"، ولكن اكتفى بهذا.

ملخص الجواب:

 كثرة الكتب المتحدثة عن الصلب والقيامة لا قيمة لها، مادامت تنتهي إلى مصدر مجهول

الجواب

الحمد لله.

مسألة موت عيسى عليه السلام على الصليب ثم قيامته من قبره، كما أبطلها الوحي الذي جاء ليبين ما اختلف فيه أهل الكتاب، حيث قال الله تعالى:

(وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) النساء/157–158.

قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى:

" فقال: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)، يعني: وما قتلوا عيسى، وما صلبوه، ولكن شبه لهم.

واختلف أهل التأويل في صفة التشبيه الذي شبه لليهود في أمر عيسى..." انتهى من"تفسير الطبري" (7/650).

وقال ابن كثير رحمه الله تعالى:

"وقد أوضح الله الأمر وجلاه وبينه وأظهره في القرآن العظيم، الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى وهو أصدق القائلين، ورب العالمين، المطلع على السرائر والضمائر، الذي يعلم السر في السموات والأرض، العالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون-: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)، أي: رأوا شبهه فظنوه إياه" انتهى من"تفسير ابن كثير"(2/449).

فكذلك مسألة موته وقيامته عليه السلام، لم يقم عليها دليل حسي واحد، وما تناقلته كتب النصارى من أخبار ونسبتها إلى المؤلفات التاريخية هي أخبار لا قيمة علمية لها؛ لأمور:

الأمر الأول:

أن الأخبار الواردة في الكتب إنما تكون حجة إن صح نقلها، وانتهت إلى صادق ثقة، شهد الحادثة أو الواقعة المخبر بها.

وهذا لم يتحقق في أسطورة موت عيسى عليه السلام على الصليب، ثم قيامته من قبره.

فإن كتبهم الدينية والتاريخية كلها لم تنقل بطرق موثوقة، بل كانت معرضة للتلاعب والتحريف وافتراء الكذب على مدار قرون، وأوضح دليل على ذلك اختلافات أناجيلهم وتناقضها وخاصة في مسألة الصلب.

قال الدكتور منقذ السقار:

"ويرى العلامة ديدات: ...

أن هذه الشهادة – الصلب - مسجلة على أكثر من خمسة آلاف مخطوط يتفاخر بكثرتها النصارى، ولا يوجد منها مخطوطتان متطابقتان، ثم لو تطابقت جميعها، فإن أيا منها لم يسجّل بخط مؤلفه، وإن نُسب إليه.

يقول إينوك باول في كتابه "تطور الأناجيل":

" قصة صلب الرومان للمسيح لم تكن موجودة في النص الأصلي للأناجيل. وقد استند في ذلك على إعادته ترجمة نسخة متى اليونانية، فتبين له أن هناك أجزاء وردت مكررة في هذا الإنجيل، مما يوحي بأنه أعيدت كتابتها في مرحلة تالية".

ومن التغيرات التي لاحظها علماء الغرب في مخطوطات الكتاب، وهي تتحدث عن الصلب: أنه قد تمت إضافة أجزاء للقصة حسب رؤية النساخ وتقديرهم... " انتهى من"هل افتدانا المسيح على الصليب؟" (ص15–16).

فإذا كان هذا حال أناجيلهم التي يقدسونها، فكيف هو حال سائر الكتب التاريخية والتي كانت تحت سيطرة الكنائس مئات السنين؟! فدسّ نصوص في كتبهم التاريخية غير مستبعد مادامت لم تنقل بأسانيد صحيحة وموثوقة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" قال تعالى:(وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ).

وأضاف هذا القول إليهم -أي إلى اليهود- وذمهم عليه.

ولم يذكر النصارى؛ لأن الذين تولوا صلب المصلوب المشبه به هم اليهود، ولم يكن أحد من النصارى شاهدا هذا معهم، بل كان الحواريون خائفين غائبين، فلم يشهد أحد منهم الصلب، وإنما شهده اليهود وهم الذين أخبروا الناس أنهم صلبوا المسيح، والذين نقلوا أن المسيح صلب من النصارى وغيرهم، إنما نقلوه عن أولئك اليهود وهم شُرَطٌ من أعوان الظلمة، لم يكونوا خلقا كثيرا يمتنع تواطؤهم على الكذب " انتهى. " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" (4 /33– 34).

الأمر الثاني:

ما يذكر في هذه الكتب المتقدمة من تأليه عيسى عليه السلام وصلبه وقيامته، لا عبرة به؛ لأن أتباع عيسى عليه السلام كانوا في ذلك الزمن قلة ومضطهدين.

قال الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى:

"اتفقت المصادر شرقية وغربية، دينية وغير دينية: على أن المسيحيين نزل بهم بعد المسيح بلايا وكوارث، جعلتهم يستخفون بديانتهم، ويفرون بها أحياناً ويصمدون للمضطهدين مستشهدين أحيانا أخرى، وهم في كلتا الحالين لا شوكة لهم، ولا قوة تحميهم، وتحمي ديانتهم وكتبهم، وإنه في وسط هذه الاضطهادات يذكرون إنه دونت أناجيلهم الأربعة التي يؤمنون بها، ودونت رسائلهم!!

وأول اضطهاد نزل بالمسيحيين كان في عهد المسيح" انتهى من"محاضرات في النصرانية" (ص 29).

وفي هذا الزمن المبكر بدأ الانحراف يدخل على النصرانية، من تأليه عيسى عليه السلام وادعاء صلبه وقيامته، حيث تنسب بداياته إلى بولس وقد توفي في عهد نيرون.

فافتراض أن تكون وصلت إلى هؤلاء المؤرخين الدعوات الباطلة أو افتراءات أعداء عيسى عليه السلام، حيث كانت بيدهم السلطة؛ أكبر من افتراض وصول الدعوة الصحيحة إليهم، لبعدهم عن مكان الحدث وعدم قدرة أتباع عيسى عليه السلام على إيصال الدعوة إلى الناس بحُرِّيَّة ويُسر، لما هم فيه من اضطهاد وضعف.

قال الدكتور منقذ السقار ملخصا لكلام محمد رشيد رضا في كتابه "عقيدة الصلب والفداء":

" ولكن قد يقال: إن المؤرخ الوثني تاسيتوس كتب عام 117م كتاباً تحدث فيه عن المسيح المصلوب.

وعند دراسة ما كتبه تاسيتوس، يتبين ضعف الاحتجاج بكلامه، إذ هو ينقل إشاعات ترددت هنا وهناك، ويشبه كلامه أقوال النصارى في محمد صلى الله عليه وسلم في القرون الوسطى.

ومما يدل على ضعف مصادره وتخبطه، ما ذكرته دائرة المعارف البريطانية، من أنه ذكرً أموراً مضحكة، فقد جعل حادثة الصلب حادثة أممية، مع أنها لا تعدو أن تكون شأنا محليا خاصا باليهود، ولا علاقة لروما بذلك.

ومن الجهل الفاضح عند هذا المؤرخ، أنه كان يتحدث عن اليهود - ومقصده: النصارى. فذكر أن كلوديوس طردهم من رومية، لأنهم كانوا يحدثون شغباً وقلاقل يحرضهم عليها " السامي " أو " الحسن " ويريد بذلك المسيح.

ومن الأمور المضحكة التي ذكرها تاسيتوس قوله عن اليهود والنصارى بأن لهم إلها، رأسه رأس حمار، وهذا هو مدى علمه بالقوم وخبرته.

كما قد شكك المؤرخون بصحة نسبة العبارة إلى تاسيتوس، ومنهم العلامة أندريسن وصاحبا كتابي " ملخص تاريخ الدين " و" شهود تاريخ يسوع ".

وقد تحدث أندريسن أن العبارة التي يحتج بها النصارى على صلب المسيح في كلامه مغايِرة لما في النسخ القديمة..." انتهى من"هل افتدانا المسيح على الصليب؟" (ص49-50).

الأمر الثالث:

حدوث زلزال، أثناء حادثة الصلب، وعلى افتراض صحته، فقد يكون اتفاقا محضا، كما حدث الخسوف يوم مات ابراهيم ابن نبينا صلى الله عليه وسلم، فغاية ما فيه أن يكون انذرا وتخويفا من الله لأعداء عيسى عليه السلام، ولا يتصور عقلا أن يكون هناك رابط بين زلزال وادعاء الألوهية لعيسى عليه السلام.

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم:(148630). 

الأمر الرابع:

حادثة الصلب والقيامة بنى النصارى عليها أصل دينهم المحرف، وهي حادثة عجيبة تقتضي تواتر ناس ذلك الزمن في الإخبار بها، كما هو الطبع البشري، لكن الحاصل أن كتبهم تنسب خبر القيامة مثلا إلى امرأة أو امرأتين لا تُعلم حقيقة حالهما! فأين باقي سكان المدينة من الحادثة العجيبة وما فيها من خروج الناس من قبورهم؟

قال القرافي رحمه الله تعالى:

" فإنه لو وقع – الصلب - ونقل بأخبار الآحاد، لم يحصل لنا علم بالصلب؛ فإن المتواترات إذا نُقلت بأخبار الآحاد، سقط اعتبارها في إفادة العلم، لجواز كذب الناقل، فلا يكون عدد التواتر حاصلاً في نفس الأمر"انتهى من"الأجوبة الفاخرة" (ص 185).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" والذين نقلوا أن المسيح صلب من النصارى وغيرهم، إنما نقلوه عن أولئك اليهود، وهم شُرَطٌ من أعوان الظلمة، لم يكونوا خلقا كثيرا يمتنع تواطؤهم على الكذب" انتهى من" الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" (4/ 33-34).

ومع عدم تواتر مصدر هذا الخبر، ونسبته إلى شهادة نفر قليل لا تعلم حقيقة حالهم، فقد اختلفت كتبهم الدينية وتناقضت في ذكر هذا الخبر بما يقطع بكذبه.

قال القرافي رحمه الله تعالى:

" هذه الأناجيل ليست قاطعة بصلبه، بل فيها اختلافات ...

واليهود أيضا ليسوا قاطعين بذلك؛ لأنهم اعتمدوا على قول يهوذا "انتهى من"الأجوبة الفاخرة" (ص 196 – 198).

وقال الدكتور منقذ السقار:

" تناقل النصارى روايات صلب المسيح جيلا بعد جيل، حتى إذا جاء القرن الميلادي السابع، أعلن محمد صلى الله عليه وسلم بطلان وقوع الصلب على المسيح.

ويتساءل النصارى كيف له أن يقول ذلك، وأن يكذب الحواريين وشهود العيان الذين سجلوا لنا بشهاداتهم الخطية ما رأوه؟

فالأناجيل التي كتبها الإنجيليون الأربعة هي برهان القوم لو سئلوا، وقيل لهم: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، فالكتاب المقدس وفي أكثر من ألف لغة إنسانية يتحدث عن صلب المسيح. وهذا هو البرهان.

ويرى العلامة ديدات أنه يفرض علينا تفحص هذا البرهان، والنظر في حال الشهود الأربعة الذين يشهدون بوقوع صلب المسيح.

وهنا يسجل ديدات أول ملاحظات المسلمين على الشهود، وهي أن اثنين من الشهود الأربعة لم يروا المسيح، ولم يكونوا من تلاميذه، فكيف يعتبرون شهودا؟ ويقصد مرقس ولوقا.

والملاحظة الثانية: أن شهود الإثبات جميعا لم يحضروا الواقعة التي يشهدون فيها، كما قال مرقس: "فتركه الجميع وهربوا" (مرقس 14/ 50)، ومثل هذه القضية لو عرضت على أي محكمة متحضرة لسارعت إلى رد شهادة هؤلاء الشهود في أقل من دقيقتين.

ثم هذه الشهادة مسجلة على أكثر من خمسة آلاف مخطوط يتفاخر بكثرتها النصارى، ولا يوجد منها مخطوطتان متطابقتان، ثم لو تطابقت جميعها، فإن أيا منها لم يسجَّل بخط مؤلفه، وإن نُسب إليه" انتهى من"هل افتدانا المسيح على الصليب؟"(ص15).

فالحاصل: أن كثرة الكتب المتحدثة عن الصلب والقيامة لا قيمة لها، مادامت تنتهي إلى مصدر مجهول، بل هي كحال الخرافات والأساطير التي تنتشر في المجتمعات وتتناقلها الأجيال وتتسامر بها، فكثرة تداولها والتفنن في ذكر التفاصيل لها لا يصيّرها حقيقة.

وراجع لمزيد الفائدة جواب السؤال: (12615)، ورقم (224199).

والله أعلم.

أديان
عرض في موقع إسلام سؤال وجواب